الثلاثاء، 5 فبراير 2013

ما هكذا تبنى جسور التعايش


ما هكذا تبنى جسور التعايش





في إطار عشق الأستاذ الموقر صلاح الدين محسن الهجوم على الإسلام و المسلمين، و تحويل دفة أي حديث أو نقاش إلى تلك الوجهة، إنقض سيادته مهاجما الإسلام رغم أن النقاش الراقي الدائر بيننا كان يدور حول موضوع النفوذ السعودي المتصاعد و مناداتي بألا نسعى للمشاركة في تحطيم إيران حتى يكون هناك بعض التوازن لنفوذ آل سعود و وهابيتهم. لكن سيادته إنقض على كلمة المسلمين المعتدلين التي وردت في سياق الحديث، رافضا أن يقرن الإعتدال بالإسلام و المسلمين، و مكررا نفس الأقوال المرفوضة التي تصر على القراءة المغلوطة للإسلام.

إنني لست هنا في معرض التطرق لأمور التفسير و العقيدة و الفقه، إنما في معرض الرد على تلك المغالطة من واقع الحياة العملية و الحوادث التاريخية، ليس من أجل تأجيج نار الفتنة و إنما لهدف أخر سامي، هو بناء جسور التعايش الحبي حتى ننتهي مما نحن فيه من تمزق و تخلف و قهر و تمييز، و لحماية بلادنا من الأخطار الداخلية و الخارجية المتربصة بها، بما يمكنا من الإنتباه لبناء نهضة مصرية أخرى مبنية على أسس الحداثة و المدنية. فالتمزق الذي نعانيه ليس هناك مستفيد منه سوى التطرف الوهابي السعودي المنبت مع التسلط المباركي بما يدعم نفوذ آل سعود علينا، فليس هناك من هو أسعد من مبارك و ولديه حين يرونا نتعارك و يمزق بعضنا بعضا و نتركهم في سرقاتهم يتمتعون، و ليس هناك ما هو أطرب لآل سعود من أن يروا شعب مصر يتعارك تاركا لهم مصر يمرحون فيها كأنها ضيعة تركها لهم الملك عبد العزيز آل سعود كما ترك لهم جزيرة العرب.

إستاذ صلاح الدين محسن، مع كل الإحترام دعني أسألك: أليس من الأفضل أن نرأب الصدع و نسد شقوقه بالمحبة و التسامح، و نجبر الكسر بغراء الود، فنبحث عما يجمع لا ما يفرق؟؟؟ فالمصري متدين بطبعه، منذ فجر التاريخ بحث عن الدين و حافظ على أوامره و نواهيه، فبقولك عن الإسلام إنه دين العنف تكون بذلك قد حطمت كل أمل في التعايش بين المصريين من المسلمين و غير المسلمين من مسيحيين و يهود و بهائيين غير ذلك في هذا الوطن، لأن المسلمين لن ينسلخوا عن إسلامهم - و أنا منهم - و تمسكي بمصريتي لا يتعارض مع ديني فكل الأديان الموجودة بمصر حاليا و منذ أغلق جستنيان معبد فيله، أخر معبد مصري عامر في التاريخ في القرن السادس الميلادي، هي أديان وافدة على مصر، لهذا تتساوى جميعا في درجة الإنتماء لمصر، فلا مجال للمزايدة و إدعاء البعض بأنه أكثر مصرية من الأخرين. و نحن إذا كنا نريد أن نخيط الثوب المصري الذي تمزق فعلينا ألا نلجأ للتعميمات الخطرة التي لا تأتي إلا بنتائج مغلوطة.

إن قول سيادتكم، بأن الإسلام دين للعنف ولا يحض إلا على ذلك هو قمة في المغالطة، فقد خلطتم سيادتكم بين كل المذاهب وحملتم كل الفرق الإسلامية نفس تفسيرات و فقه الوهابية، و من يفعل ذلك هو كمن يحمل مسيحيي الشرق مسئولية الحروب الصليبية الكاثوليكية الأوروبية، فلا يفرق بين الكنائس الشرقية و الغربية، و يتجاهل ما بينها من إختلاف وصل أحيانا إلى حد الصراع، على الأقل في الماضي.

و تحميل مسلمي اليوم ما حدث أيام المماليك، هو كمن يحمل مسيحيي اليوم مسئولية قتل الفلاسفة في العصر البيزنطي، كقتل الفيلسوفة السكندرية هيباشيا، التي قتلت أبشع قتلة على يد جماعة مسيحية متطرفة تدعى بجمعية محبي الآلام، و تدمير معابد الأسكندرية و أتريب و غيرها يشهد على أن التسامح لم يكن دائما هو روح ذلك العصر. كما أن من يريد تحميل مسلمي اليوم أخطاء الأمويين أو العباسيين هو كالمسيحي الأوروبي الذي يحمل يهود العصر الحديث مسئولية معاداة أجدادهم للمسيح عليه و على أمه السلام، و يضطهدهم بناء على ذلك. و من يفتح باب شروط الزي و غيرها و التي كانت مطبقة على غير المسلمين، و المعروفة بالشروط العمرية، هو كمن يريد أن يحمل مسيحيي اليوم مسئولية الشروط البيزنطية التي طبقت على اليهود و السامريين قبل قدوم الإسلام للمنطقة، تلك الشروط البيزنطية التي تعتبر أحد الروافد التي تسربت منها الشروط العمرية للإسلام.

المفروض اليوم، هو أن ننسى الماضي، فليس هناك من لم يقم أسلافه بأخطاء في حق الأخرين. و من لم يكن لأسلافه خطيئة فليرم الأخرين بالتهم التاريخية، و ليعش في الماضي الذي ولى إلى غير رجعه. الماضي الذي يجب أن يكون عظة و عبرة ليس أكثر، أما الحاضر و المستقبل فهما الأهم لنا و لمن بعدنا.

إن إستشهاد سيادتكم لبعض الأراء الفقهية ليس حجة على كل المسلمين، لأن سيادتكم وقفتم عند المذهب الوهابي و لم تتجاوزوه و إغترفتم من نبعه الدموي فلم تمتلء جعبتكم إلا بالدم. فلم تبحثوا في تراث المتصوفة على سبيل المثال، ذلك المذهب الذي يمكن أن تسميه مذهب أهل مصر، لأنه المذهب الإسلامي الوحيد الذي نبع في مصر على يد المصري الأصيل ذي النون المصري الإخميمي، الذي كان يجيد العربية و القبطية و اليونانية، و الذي كان أول من تكلم في المقامات و الأحوال، سيادتكم لم تقرأوا أشعار الإمام الأكبر ابن عربي الأندلسي أو تجاهلتموها كما تجاهلتم كتابات جلال الدين الرومي و غيرهم من أعلام التصوف، لقد تجاهلتم التصوف رغم إن جميع المصريين المسلمين تأثروا به بدرجة ما حتى ولو لم يشعروا بذلك، لكن حفظتم عن ظهر أقوال الكراهية و العنف، و رفضتم أن تطالعوا كتابات أبو حنيفة النعمان الفارسي، مؤسس المذهب الحنفي، و ما فيها من تيسير يبهر أي ليبرالي متشبع بقيم الحداثة و المدنية أن يجد مثل تلك الأراء في مذهب هو أكبر مذهب سني إسلامي في العالم من حيث عدد المعتنقين وإن لم يكن له معتنقين كثر في مصر للأسف رغم أنه المذهب الإسلامي الرسمي للدولة و لكن للأسف عطل العمل به رجال الأزهر لصالح مذاهب أكثر تشددا.

إن إصرار سيادتكم على التعامل مع بعض النصوص القرآنية دون غيرها، هو كمن يريد أن يقرأ من الكتاب المقدس فقط سفر يشوع و ما فيه من إستيلاء على أراضي الغير و تدمير للمدن و القرى و قتل للمدنيين العزل بما فيهم النساء و الأطفال و الرجال و الشيوخ و إبقاء فقط للعذارى، لغرض لا يخفى على لبيب. أو يقرأ ما في سفر الخروج من تشفي في مصائب المصريين، بينما يصر على تجاهل سفر كإشعياء و ما فيه من روح عالمية. و هو تماما كالإصرار على قراءة بعض آيات سورة التوبة و بعض الآيات الأخرى و تجاهل آيات كالبقرة 62 و المائدة 69 و الأحقاف 13 و 14 والحج 17. و كما تلاحظون أن ثلاث آيات من المذكورات مدنية و أكرر مدنية، تلك الآيات الكريمة التي تمتلىء بالحب و التسامح، و التي يستمد منها – و من غيرها – المعتدلون المسلمون جوهر تسامحهم و حبهم العالمي، و التي يمكن أن تكون مع أسفار الحب العالمية الروح في العهد القديم أو التاناخ بالتسمية اليهودية و مع أقوال السيد المسيح في الأناجيل الأربعة الرسمية، أساس راسخ للتعايش السلمي بين كل أبناء إبراهيم الروحيين.

دعونا من التعميمات، فليس كل مسلم هو بن لادن أو الظواهري أو الزرقاوي أو البنا. و إلا كان كل مسيحي هو البابا أوربان الثاني مدشن الحروب الصليبية، و كل مسيحي هو قاتل هيباشيا و غيرها من الفلاسفة و المفكرين، و عضو بجمعية محبي الآلام الإرهابية، و كل يهودي هو مناحم بيجين و إيجال عامير- قاتل رابين - والذي قال: لو كنت حيا في زمن يشوع بن نون لشاركت في قتل نساء و أطفال الكنعانيين. أن التعميم بأن كل مسلم هو إرهابي أو مشروع إرهابي كالتعميم أن كل فرنسي زئر نساء و كل أيرلندي سكير و كل يهودي مرابي و كل إنجليزي براوي و كل إسكتلندي مقتر و كل مصري عنيد، إنها تعميمات خاطئة و تقود إلى عواقب وخيمة إذا إستخدمت في حالة كحالتنا في مصر لأنها تلغي أي فرصة و أمل للتعايش الحبي أو حتى السلمي البارد.

كفانا تحميل للماضي على حاضرنا، كفانا أخذا بالقول القائل أن آثام الأباء يتحملها الأبناء للجيل السابع، فحتى العهد القديم منبع هذا القول نسخ، أي ألغى، هذا الحكم، فنقرأ في سفر حزقيال الجزء الثامن عشر ما يدل على الأخذ بالمسئولية الفردية، و التي يقرها أيضا العهد الجديد كما يقرها القرآن الكريم في مواضع عده.

لندع الماضي الأن بعد أن نتعظ منه و لننتبه للحاضر و لنعترف بأننا نواجه جميعا مسلمين و مسيحيين و غير ذلك، التطرف الوهابي الذي سيدمر مصر كما دمر أفغانستان، و كما يدمر الوحدة الوطنية في العراق الأن، و كما جر الجزائر لحرب أهلية راح ضحيتها ما لا يقل عن ثلاثين ألف قتيل، و كما جر السودان للتمزق.

عليك أستاذ محسن و جميع الأساتذة الأفاضل الذين ما برحوا يهاجمون الإسلام، أن تنظروا للأمثلة الناصعة من تاريخ مصر الحديث لتروا أن بالإمكان أن يتعايش الجميع تحت مظلة واحدة هي مصر، في سلام و ود. فلم يكن محمد علي الكبير إلا مسلم سني حنفي المذهب، متمسك بدينه و مقيم لشعائره، و هو القائل لما معناه: إنني أحب أن أرى جميع رعاياي متساوين في الحقوق. فرفع قيود الزي التمييزية عن غير المسلمين من المسيحيين و اليهود، و سمح لغير المسلمين بتقلد الوظائف المدنية الإدارية العليا و حق التملك و السكن في أي مكان و أنعم بألقاب التشريف لأول مرة على من يستحق من غير المسلمين، فقد جعل الكفاءة هي المعيار في الجزاء. و أكمل ابنه سعيد باشا السير في طريقه، حين رفع عن غير المسلمين أخر قيد و هو الجزية، مقابل الخدمة العسكرية. ثم ألم يكن سعد زغلول مسلما قحا و خريجا للأزهر؟! ولكن هل يستطيع أحد أن يبخسه حقه في مسألة الوحدة الوطنية؟ ألم يتحول إلى بطل للمصريين المسلمين و المسيحيين حتى اليوم؟ ألم تكن أغلب القيادات السياسية في عصر الملكية الدستورية الأولى، من عام 1923 إلى عام 1952 المشئوم، من المسلمين، فهل عانى المسيحيين و اليهود أي تنغيص؟ أنتم تعرفون أن غير المسلمين وصلوا في عهد الملكية الدستورية الأولى لأرفع المناصب التي لا يحلم بها غير المسلم اليوم، برضاء الشعب، لأن الشعب المصري في ذلك العهد لم يكن ينظر إلا للكفاءة.

الأمر إذا ليس عيبا في الإسلام أو المسيحية أو اليهودية، العيب هو في العقول التعميمية التي تعمم الإستثناء، فالوهابية هي الإستثناء كما الحروب الصليبية و جمعية محبي الآلام و التطرف اليهودي الأرجوني.

اليوم الواجب على كل طرف أن يبدأ في بناء جسور المحبة من ضفته حتى نلتقي فوق جسر التعايش الودي في منتصف النهر. هذا الجسر الذي سيكون المكان الذي ستنطلق منه مسيرة التغيير، التي ستقوض بناء التسلط العسكري المباركي الفاسد مثلما ستحطم آمال الوهابية البناوية في الحكم. أما أن يعيش كل منا في ضفته يغذي الأحقاد و يربي الأجيال الناشئة على التعميمات الخاطئة و يبحث في التاريخ عن كل ما هو أحمر اللون و يرفض أن يتحد مع الأخرين في النضال من أجل الحرية و العدالة و المساواة توجسا منهم و كرها لهم، فإننا نستطيع أن نهنىء مبارك منذ اليوم على نجاح التوريث، و أن نقول لأئمة الوهابية السعودية ان مذهبكم الدموي سيكون عما قريب مذهب مصر الرسمي، و أن نقول جميعا وداعا لحلم الدولة المدنية الحديثة التي تحكمها الحرية و قواعد العدالة و تسودها روح المساواة.
 
أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين محمد علي عبد الرحمن ؛ اسم العائلة : الحسنية ، و تنطق بفتح الحاء
الاسم النضالي المختصر : أحمد حسنين الحسنية / أحمد حسنين الحسني
المنفى القسري : بوخارست - رومانيا
حزب كل مصر - حكم ، شعار الحزب : تراث - ضمير - حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر
13-09-2006

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق