إنتصار
ماراثون ، إنتصار لكل الإنسانية
أعتقد بأنه لا يوجد شيء
يتفوق على التاريخ في درجة التلاعب به لخدمة السياسة ، فكم من أحداث تاريخية تم
التلاعب في روايتها ، أو تفاصيل أحداثها ، أو تفسيرها ، بل و كم من أحداث تم
إختلاقها من العدم ، من أجل خاطر السياسة .
مقال الأستاذ صالح السنوسي ،
و الذي نشره الموقع العربي لقناة الجزيرة القطرية ، في قسم المعرفة ، هذا الشهر
إبريل 2008 ، هو مثال حديث ، و نموذج كلاسيكي ، للتلاعب بالتاريخ ، بمزج الماضي
بالحاضر ، من أجل التلاعب بعقول القراء ، للقبول بواقع حالي ترفضه أغلب الجماهير في
العالم المتحدث بالعربية .
في المقال و الذي عنوانه :
الديمقراطية اليونانية و النار الفارسية ، أراد الكاتب أن يجعل الديمقراطية
اليونانية ، التي تمثلت في القوات اليونانية التي تصدت للغزو الفارسي ، في معركة
ماراثون الشهيرة هي ممثلة الغرب فقط ، بقيمه الديمقراطية ، أما القوات الفارسية ،
التي أتت لتحتل بلاد اليونان ، و التي أتت من ثقافة الحق المطلق
للملوك ، أو الأباطرة الفرس ، هي ممثلة للشرق .
من يقرأ المقال بإنتباه ،
سيدرك بسهولة مرمى الكاتب ، و الذي أراد أن يدفع قارئ العربية ، لأن يعتبر فارس - و
أعني هنا فارس الماضي ، لا إيران الحاضر - هي رمز الشرق لليوم ، أي ممثلتنا ، و أن
اليونانيين - أو الإغريق بتعبير أدق ، و هو تعبير لم يستخدمه الكاتب لشيء في نفسه -
هم ممثلي الغرب ، و بالتالي فإن على أهل المشرق اليوم أن يتعاطفوا مع فارس الماضي ،
و نظامها السلطوي المطلق ، و أن يعتبروا الديمقراطية ، ليست إلا بدعة أهل اليونان ،
ممثلي الغرب ، كما أراد الكاتب ، و بالتالي علينا أن نرفضها
.
إنه لرمز رائع ، و أعني
النار ، حين إختارها الكاتب ، رمزاً للنظام الفارسي القديم ، يقف أمام الديمقراطية
اليونانية ، و لا شك إنه لم يكن يدري بهذا حين إختار هذا العنوان للمقال ، فالمقابل
البديهي للنار ، هو الجنة ، و الديمقراطية جنة ، تختارها الشعوب بالبداهة ، و تناضل
للوصول إليها ، و تبذل الغالي لتدافع عنها حين تحصل عليها
.
من هو المواطن ، سواء أكان
عربي أو غير عربي ، شرقي أو غربي ، شمالي أو جنوبي ، الذي يختار نار السلطة المطلقة
للحكام ، و مبدأ الحق الإلهي لهم ، على جنة الديمقراطية
؟؟؟؟؟
ألم يقف أحفاد فرس الماضي -
أحفاد الذين هُزموا في معركة ماراثون - في 1979 ، و من قبل في الخمسينات من القرن
العشرين ، ضد نار الشاه ، الذي إعتبر نفسه وريث كورش ، و دارا ، و قمبيز ، و غيرهم
من الأباطرة ، الذين جلسوا على عرش الطاووس ؟؟؟
ألم يختر الإيرانيون في
الخمسينات ، و السبعينات ، من القرن الماضي ، ديمقراطية عدوهم القديم ، على النار
الشاهنشاهية ؟؟؟
مع ملاحظة إنني لا أدعي بأن
النظام الإيراني الحالي ، هو ممثل للديمقراطية بمعناها الحديث ، أو حتى الديمقراطية
الأثينية القديمة ، فهناك الكثير من الخطوات التي يجب أن يخطوها ليصل إلى المرحلة
التي يمكن أن يُعتبر معها نموذج يُشاد به .
ألا نشبه نحن أهل مصر أيضاً
، حاكمنا - أياً كان ذلك الحاكم - حين يستبد بالحكم ، و يطغى على الشعب ، بفرعون
موسى ، و فرعون هو جزء من تاريخنا ؟؟؟
أليس بإمكاني أن أشبه اليوم
مبارك الأب ، و أبنيه جمال ، و علاء ، بكل من فرعون موسى ، و هامان ، و قارون ، على
التتابع ، دون أن يعتبر المواطن المصري ذلك التشبيه مساس بتراثنا
؟؟؟
التاريخ ، أو الماضي ، لا
يجب أن يخلط إذاً بالحاضر ، خاصة عندما يكون ذلك الماضي ، ماض سحيق ، من أجل
التدليس على الشعوب ، مثلما ليست جريمة أن أنتقد ماضي يخص شعبي ، إن وجدت إنه
يتعارض مع القيم الإنسانية ، مثلما ليس خطأ أو عار ، أن تقتبس الشعوب من بعضها
البعض ، حتى ممن كانوا أعداء ألداء لها في الماضي ، فكل ما أبدعه البشر من خير ،
إنما هو تراث للإنسانية ، و للجميع الحق في النهل منه .
لهذا فإننا في مصر ، و برغم
إننا جزء من العالم المتحدث بالعربية ، و جزء من الشرق ، و بتاريخنا الفرعوني الذي
جعل حكامنا آلهة ، و أبناء آلهة ، لا نجد حرجاً في أن نختار الديمقراطية ، التي كان
الإغريق أول من أبدعوها ، على نار الحكم المطلق ، و الحق الإلهي للحكام الضرورة ، و
الحكم المتوارث ، و السلطة المطلقة للزعماء الملهمين ، و مدعي الحكمة ، حتى لو كان
هذا التراث - و أعني تراث الإستبداد - تراث ليس فقط شرقي فارسي ، بل و مصري مصيم ،
فإنتصار ماراثون ، لم يكن فقط إنتصار للإغريق ، أو اليونان ، و ليس فقط إنتصار
للغرب ، إنما إنتصار للإنسانية .
نعم للديمقراطية ، والتي
ولدت في بلاد اليونان ، و لا ، و ألف لا ، للنار الإستبدادية ، و لو كانت فارسية
شرقية ، أو حتى مصرية أصيلة .
نعم لجنة الحرية ، في وجه
نار الطغيان و الإستبداد الحالية .
فالإنسان فوق أي إعتبارات
وطنية ، أو قومية ، أو عرقية ، أو ثقافية ، فنعم لكل ما فيه خير له
.
أحمد محمد عبد
المنعم إبراهيم حسنين الحسنية
المنفى القسري : بوخارست -
رومانيا
حزب كل
مصر - حكم ، شعار الحزب : تراث - ضمير -
حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر
13-04-2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق