الثلاثاء، 5 فبراير 2013

إنتصار ماراثون ، إنتصار لكل الإنسانية

إنتصار ماراثون ، إنتصار لكل الإنسانية

أعتقد بأنه لا يوجد شيء يتفوق على التاريخ في درجة التلاعب به لخدمة السياسة ، فكم من أحداث تاريخية تم التلاعب في روايتها ، أو تفاصيل أحداثها ، أو تفسيرها ، بل و كم من أحداث تم إختلاقها من العدم ، من أجل خاطر السياسة .

مقال الأستاذ صالح السنوسي ، و الذي نشره الموقع العربي لقناة الجزيرة القطرية ، في قسم المعرفة ، هذا الشهر إبريل 2008 ، هو مثال حديث ، و نموذج كلاسيكي ، للتلاعب بالتاريخ ، بمزج الماضي بالحاضر ، من أجل التلاعب بعقول القراء ، للقبول بواقع حالي ترفضه أغلب الجماهير في العالم المتحدث بالعربية .

في المقال و الذي عنوانه : الديمقراطية اليونانية و النار الفارسية ، أراد الكاتب أن يجعل الديمقراطية اليونانية ، التي تمثلت في القوات اليونانية التي تصدت للغزو الفارسي ، في معركة ماراثون الشهيرة هي ممثلة الغرب فقط ، بقيمه الديمقراطية ، أما القوات الفارسية ، التي أتت لتحتل بلاد اليونان ، و التي أتت من ثقافة الحق المطلق للملوك ، أو الأباطرة الفرس ، هي ممثلة للشرق .

من يقرأ المقال بإنتباه ، سيدرك بسهولة مرمى الكاتب ، و الذي أراد أن يدفع قارئ العربية ، لأن يعتبر فارس - و أعني هنا فارس الماضي ، لا إيران الحاضر - هي رمز الشرق لليوم ، أي ممثلتنا ، و أن اليونانيين - أو الإغريق بتعبير أدق ، و هو تعبير لم يستخدمه الكاتب لشيء في نفسه - هم ممثلي الغرب ، و بالتالي فإن على أهل المشرق اليوم أن يتعاطفوا مع فارس الماضي ، و نظامها السلطوي المطلق ، و أن يعتبروا الديمقراطية ، ليست إلا بدعة أهل اليونان ، ممثلي الغرب ، كما أراد الكاتب ، و بالتالي علينا أن نرفضها .

إنه لرمز رائع ، و أعني النار ، حين إختارها الكاتب ، رمزاً للنظام الفارسي القديم ، يقف أمام الديمقراطية اليونانية ، و لا شك إنه لم يكن يدري بهذا حين إختار هذا العنوان للمقال ، فالمقابل البديهي للنار ، هو الجنة ، و الديمقراطية جنة ، تختارها الشعوب بالبداهة ، و تناضل للوصول إليها ، و تبذل الغالي لتدافع عنها حين تحصل عليها .

من هو المواطن ، سواء أكان عربي أو غير عربي ، شرقي أو غربي ، شمالي أو جنوبي ، الذي يختار نار السلطة المطلقة للحكام ، و مبدأ الحق الإلهي لهم ، على جنة الديمقراطية ؟؟؟؟؟

ألم يقف أحفاد فرس الماضي - أحفاد الذين هُزموا في معركة ماراثون - في 1979 ، و من قبل في الخمسينات من القرن العشرين ، ضد نار الشاه ، الذي إعتبر نفسه وريث كورش ، و دارا ، و قمبيز ، و غيرهم من الأباطرة ، الذين جلسوا على عرش الطاووس ؟؟؟

ألم يختر الإيرانيون في الخمسينات ، و السبعينات ، من القرن الماضي ، ديمقراطية عدوهم القديم ، على النار الشاهنشاهية ؟؟؟

مع ملاحظة إنني لا أدعي بأن النظام الإيراني الحالي ، هو ممثل للديمقراطية بمعناها الحديث ، أو حتى الديمقراطية الأثينية القديمة ، فهناك الكثير من الخطوات التي يجب أن يخطوها ليصل إلى المرحلة التي يمكن أن يُعتبر معها نموذج يُشاد به .

ألا نشبه نحن أهل مصر أيضاً ، حاكمنا - أياً كان ذلك الحاكم - حين يستبد بالحكم ، و يطغى على الشعب ، بفرعون موسى ، و فرعون هو جزء من تاريخنا ؟؟؟

أليس بإمكاني أن أشبه اليوم مبارك الأب ، و أبنيه جمال ، و علاء ، بكل من فرعون موسى ، و هامان ، و قارون ، على التتابع ، دون أن يعتبر المواطن المصري ذلك التشبيه مساس بتراثنا ؟؟؟

التاريخ ، أو الماضي ، لا يجب أن يخلط إذاً بالحاضر ، خاصة عندما يكون ذلك الماضي ، ماض سحيق ، من أجل التدليس على الشعوب ، مثلما ليست جريمة أن أنتقد ماضي يخص شعبي ، إن وجدت إنه يتعارض مع القيم الإنسانية ، مثلما ليس خطأ أو عار ، أن تقتبس الشعوب من بعضها البعض ، حتى ممن كانوا أعداء ألداء لها في الماضي ، فكل ما أبدعه البشر من خير ، إنما هو تراث للإنسانية ، و للجميع الحق في النهل منه .

لهذا فإننا في مصر ، و برغم إننا جزء من العالم المتحدث بالعربية ، و جزء من الشرق ، و بتاريخنا الفرعوني الذي جعل حكامنا آلهة ، و أبناء آلهة ، لا نجد حرجاً في أن نختار الديمقراطية ، التي كان الإغريق أول من أبدعوها ، على نار الحكم المطلق ، و الحق الإلهي للحكام الضرورة ، و الحكم المتوارث ، و السلطة المطلقة للزعماء الملهمين ، و مدعي الحكمة ، حتى لو كان هذا التراث - و أعني تراث الإستبداد - تراث ليس فقط شرقي فارسي ، بل و مصري مصيم ، فإنتصار ماراثون ، لم يكن فقط إنتصار للإغريق ، أو اليونان ، و ليس فقط إنتصار للغرب ، إنما إنتصار للإنسانية .

نعم للديمقراطية ، والتي ولدت في بلاد اليونان ، و لا ، و ألف لا ، للنار الإستبدادية ، و لو كانت فارسية شرقية ، أو حتى مصرية أصيلة .

نعم لجنة الحرية ، في وجه نار الطغيان و الإستبداد الحالية .

فالإنسان فوق أي إعتبارات وطنية ، أو قومية ، أو عرقية ، أو ثقافية ، فنعم لكل ما فيه خير له .

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين الحسنية

المنفى القسري : بوخارست - رومانيا

حزب كل مصر - حكم ، شعار الحزب : تراث - ضمير - حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر

13-04-2008

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق