الثلاثاء، 5 فبراير 2013

مفهوم الإستقلال بين الماضي و الحاضر

مفهوم الإستقلال بين الماضي و الحاضر



متى حصلت مصر على إستقلالها؟

سؤال لو طرحناه، سواء في إستطلاع للرأي يلتزم بقواعد الإستقصاء العلمية العالمية، أو طرحناه على المارة في أحد شوارع القاهرة الرئيسية المزدحمة بالمارة، فإنني متأكد أن الإجابة ستكون - و بأغلبية كاسحة قد تصل لمائة في المائة - هي: ان الإستقلال المصري كان مع خروج أخر جندي بريطاني في يونيو 1954، و لن يعتد أحد بعام الإستقلال الرسمي 1922، حتى لو قام فريق الإستطلاع بالشرح أن مصر حصلت رسميا على إستقلالها في ذلك العام، بعد أن أصدرت السلطات البريطانية، ممثلة في اللورد اللنبي، تصريحاً يعترف بإستقلال مصر، و حتى لو قام فريق الإستطلاع بشرح مراحل تطور العلاقة مع بريطانيا بعد ذلك، من معاهدة الصداقة المصرية - البريطانية، و التي إشتهرت بمعاهدة 1936 - ثم إلغائها من طرف الجانب المصري بعد ذلك في مطلع خمسينات القرن الماضي، تلك المعاهدة التي قصرت الوجود العسكري البريطاني على منطقة القناة فقط، أي أصبح الوجود البريطاني منحصرا في منطقة محددة، أو قواعد عسكرية، كما حال الوجود الأمريكي الحالي في دول الخليج، و الكثير من دول أوروبا، و شرق أسيا مثل في اليابان و كوريا الجنوبية.

الشعب المصري لم يعرف إلا مفهوماً واحد للإستقلال، هو عدم تلوث وطنه بأي وجود عسكري أجنبي على الإطلاق، لهذا كان الشعار الذي رفعه الشعب، بعد تصريح 1922، هو الإستقلال التام، فلم تخدعه تصريحات تمنحه إستقلالاً وهمي، و لا معاهدات تقنن لوجود عسكري أجنبي في وطنه، سواء باسم الصداقة أو التعاون.

المفهوم الشعبي المصري عن الإستقلال، أي مفهوم الإستقلال التام، و الذي أيضا كانت تتبناه النخب الحاكمة المصرية في الماضي، أصبح اليوم يقف في مواجهة مفهوم جديد، صكته النخب الحاكمة في دولة آل سعود الثالثة، و في العراق، و مماثلاً لفهوم الإستقلال في دول أخرى في شرقنا الكبير، مثلما في أفغانستان و تركيا و غيرهما.

من تابع القمة العربية التي إنعقدت الشهر الماضي، شهر مارس 2007، ممن لازالوا يؤمنون بالمفهوم القديم و الشعبي للإستقلال، لاشك صدم عندما إستمع لتصريحات أحد قادة العراق الرسميين، و الذي صرح بأن الوجود الأمريكي في العراق هو إحتلال، لأن الوجود الأمريكي لم يجىء عبر إستدعاء السلطات الحاكمة الرسمية له، و كأن العبرة فقط بإستدعاء رسمي أو عدمه، و هو تصريح يقف في نفس صف تصريح وزير الخارجية السعودي، الذي عرف الإحتلال - طبقا للمفهوم السعودي - بإنه قدوم لقوات أجنبية لدولة أخرى دون موافقة للسلطات الرسمية في الدولة.

بهذه التصريحات أصبح الوجود العسكري الأجنبي في دولة آل سعود الثالثة، ليس إحتلالاً، و كذلك في كافة دول الخليج، و في تركيا، و في جيبوتي، و في لبنان، و غيرها من الدول التي تتواجد على أراضيها قوات أجنبية، و منها مصر، فنحن لسنا بعيدين عن شبهة الإحتلال، طبقا لمفهومنا الشعبي، نحن كمصريين لنا الحق أن نعرف حقيقة ما يجري في قاعدة رأس بناس، حتى نعرف هل نحن مستقلين أم رجع الإحتلال، خاصة مع ما نشر في عام 2004، في جريدة الأهرام الإسبوعية الإنجليزية - الأهرام ويكلي - و التي كتب فيها الأستاذ محمد قدري، أحد أعضاء مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، أن النظام الحاكم قدم الكثير للقوات الأمريكية في غزوها للعراق، و أن كافة العمليات اللوجيستية للغزو الأمريكي للصومال في عهد كلينتون، في 1992 و 1993، تمت من الأراضي المصرية .

الطامة الأكبر، إنه طبقا لهذا المفهوم الجديد الذي يفرق بين الإستقلال و الإحتلال، و الذي صكته لنا القمة العربية الأخيرة، قمة مارس 2007، فإن الوجود العسكري البريطاني منذ يوليو 1882 و إلى يونيو 1954، لم يكن إحتلالاً، لأنه تم بإستدعاء رسمي من الخائن توفيق، لإخماد هوجة عرابي.

لقد أصبحت - و بضربة سعودية واحدة - كل التضحيات التي قام بها الشعب المصري، بكافة طبقاته و طوائفة، كفاحاً غير قانوني، بل ربما نعتوه بالإرهابي، تماشياً مع التقليعة الجديدة، فالسلطة الحاكمة - ممثلة في الخائن توفيق - هي من إستدعت البريطانيين، و للسلطة الحاكمة وحدها الحق في طلب خروجهم، و أي كفاح من أجل تحرير البلد ليس إلا إرهاباً، فطبقا لمفهومهم كان سيحاكم كل من مصطفى كامل و محمد فريد و سعد زغلول و النحاس، و رفاقهم، و كل الشعب المصري الذي عاش في الفترة بين 1882 و 1954، بقانون مكافحة الإرهاب، و بتهم التحريض.

لقد تراجعت مفاهيم كثيرة خلال خمسين عاماً فقط، تراجع مفهوم الإستقلال، و أصبح ما قام به الخائن توفيق شرعي، و ما قام به الشعب المصري من أجل إخراج الإحتلال إرهابي.

تماما كما تراجعت أمور كثيرة، مثل السلام الإجتماعي، حتى أصبح الكثير يتبارون في تمزيقه و إشعال الفتنة في مصر، لصالح نفس القوى التي أعادت تعريف معنى الإستقلال.

لقد سرنا للخلف كثيرا، بل و تراجعنا لدرجة لم يكن يتصورها أسلافنا، ممن لم يعرفوا إلا معنى واحد للحرية و الإستقلال، و الذين أدركوا بحكمتهم أهمية أن يتوحد أبناء الوطن جميعهم تحت مظلة الوطن، مهما كان إنتمائهم العرقي أو الديني أو المذهبي أو الثقافي، ممن صكوا شعار: الدين لله و الوطن للجميع.

بالأمس القريب أصبحت الفتنة بين أبناء الشعب الواحد واقعاً يروج له مفكرين و علماء دين بارزين، و اليوم تغير مفهوم الإستقلال في نظر النخب الحاكمة، فماذا ستكون الكارثة القادمة المترتبة على هذين الواقعين المؤلمين الجديدين؟؟؟؟؟؟

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين محمد علي عبد الرحمن الحسني
الإسم النضالي المختصر : أحمد حسنين الحسنية / أحمد حسنين الحسني
المنفى القسري : بوخارست - رومانيا
حزب كل مصر - حكم ، شعار الحزب : تراث - ضمير - حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر
02-04-2007

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق