الثلاثاء، 5 فبراير 2013

جمال، بناقص خبراتك لقد إستيقظنا

جمال، بناقص خبراتك لقد إستيقظنا

أكثر المواد الإعلامية المتاحة حاليا في الإعلام المصري المقروء و المشاهد و المثيرة للتقزز، هي تلك المواد التي تدخل في تصنيف حملة تسويق جمال مبارك للشعب المصري، ليس فقط لأنها تسوق بضاعة فاسدة غير مرغوب فيها زهد فيها الشعب المصري، و لكن أيضا لإتسامها بالتملق الذي تعافه النفوس الحرة، مثلما أيضا تتسم بكل ما يسم البرامج الكوميدية الفاشلة، من كذب مفضوح، كذلك التهويل و التضخيم غير المنطقي، و السير بجراءة في درب اللامعقول دون إحترام لعقول المشاهدين و القراء، و غير ذلك من خصائص الكوميديا المملة.

أحد تلك المواد و التي تصنف في الخانة السابقة، هو ما يلقى علينا بين حين و أخر عن خبرات ولي العهد النادرة، و التي إستقاها من السيد والده، و هي المقولة المكملة لمقولة السيد الرئيس الوالد: دلوني على واحد ينفع يبقى رئيس و أنا أجعله نائب للرئيس.

هذه الفترة، و التي تمر بها مصر للتمهيد للتوريث، جاء الجزء الثاني أو الإجابة على مقولة السيد الرئيس الوالد، ليظهر لنا كمصريين أن الوحيد الذي ينفع يبقى رئيس، هو السيد الرئيس الولد، ذلك بعد أن شرب أسرار المهنة من والده في دكان الرئاسة الذي إفتتحه منذ ربع قرن.

إذا كانت تلك المقولة تثير السخرية و الإحتقار عندما نسمعها أو نقرأها من العاملين في حملة التوريث من مرتزقة الإعلام، فإنها تثير كل الأسف عندما نسمعها من أصوات تعد جزء من المعارضة، و كأنها قد شربت المقولة، و صدقت فعلا أن الولد يملك من علوم إدارة الدول ما لا يملك أحد في مصر، و تحسده على ذلك العلم السري الذي حازه بفضل عمله في دكان الرئاسة و شربه لأسرار المهنة بحكم أن المهن قد عادت لتصبح وراثية في هذا العهد الأغبر، فابن أستاذ الجامعة هناك مكان محجوز له ليكمل مسيرة أبيه الوظيفية و ضابط الشرطة و الدبلوماسي بالمثل و هكذا دواليك في معظم المهن ذات الجاه الإجتماعي. و إنه، أي السيد جمال مبارك، أصبح الوحيد في مصر الذي يعرف أسرار الدولة و خبايا الحكم، و فن إدارة مؤسسات الدولة، و أن الآخرين قد حرموا من هذا العلم السري بحكم إنه الوحيد الذي له أب يعمل في تلك المهنة، و أن التوريث قد أصبح بالتالي ضرورة و إلا تصلبت مفاصل الدولة و عجزت عن الحركة و حل الخراب بمصر.

بصرف النظر عن كوميديا المرتزقة، و عن سذاجة بعض الأصوات المعارضة، أو تواطأها في حملة التوريث، فلنا كمواطنين مصريين أن نرفض شرب هذا المقلب، و أن نقول: ما هي حقا تلك الأسرار المهنية الخفية التي تعلمها الابن على يد والده؟ و هل نحن كشعب في حاجة حقا لها؟

هل خمسة و عشرين عاما ويزيد، لا تكفي لكي ندرك فشل هذا النظام الحاكم، و لندرك بأن أي تطبيق لخبرات موروثة عن هذا النظام لا تعني سوى أستمرارية الفشل على كل صعيد في مصرنا، و إستمرار للمعاناة التي نعانيها في أغلبيتنا؟

تعالوا لنسأل أنفسنا ماذا علم أو سيعلم مبارك الأب مبارك الإبن؟ هل أعطاه أو سيعطيه دروس في الديمقراطية و تداول السلطة و نزاهة الإنتخابات و حيدة الأجهزة التنفيذية قبل و أثناء و بعد الإنتخابات، و أن الإعلام الرسمي يجب أن يكفل تغطية متساوية و نزيهة لكل أطراف العملية التنافسية الإنتخابية؟

هل علم أو سيعلم مبارك الأب مبارك الإبن، إحترام حقوق الإنسان، و أن القضاء المدني النزية هو الوحيد الذي له الحق في تقييد حرية الأفراد و إنتهاك حرمة حياتهم الشخصية، و أن التعذيب هو أحط المدارك الإنسانية، و إنه لا يجب على إنسان عاقل أن ينزل لهذا الدرك الأسفل فيمارس التعذيب أو يأمر به أو يسكت عنه؟

هل لقن أو سيلقن مبارك الأبن ابنه، أن القانون المدني العادل يجب أن يحترم، بضم الياء، و تحترم أحكام قضاءه و إنها تسري على الكبير و الصغير سواء بسواء، و أن كل المصريين و غير المصريين المقيمين بمصر سواء أمام القانون المصري المدني العادل، و أن الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، و أن عليه أن يترك الفتنة و لا يعبث بها لأنها نتنة؟

هل لقن أو سيلقن مبارك إبنه ان لجميع أفراد الشعب المصري الحق في الرفاهية، و الحق في خدمات صحية جيدة، و الحق في تعليم حديث يناسب متطلبات العصر و تحديات المستقبل، و أن التعليم الحقيقي هو أهم طوق نجاة للخروج بالشعب و الفرد من دائرة الفقر المحكمة الإغلاق حاليا؟

هل قال أو سيقول مبارك الأب لمبارك الإبن: عليك يا أبني أن تنتبه للشعب و أن تترك التركيز على القضايا الخارجية، لأن الشعب لا يهتم في حقيقة الأمر بشأن الوساطة المصرية بين الواق واق و نيام نيام، و لا يعطي أذنه لأخبار المساء التي تتحدث يوميا عن الدور المصري المحوري في المحيط الهاديء، و أن الشعب المصري لا يهتم بأن رؤساء الدول و كبار الساسة في العالم يأتون لسماع الحكمة و هي تتساقط كالدرر من فمي؟

هل أخذ أو سيأخذ مبارك الأب بيد إبنه الأثير، لينزل به إلى الشارع المصري حيث يعيش الشعب المصري الحقيقي، و يقفز معه من فوق حجر إلى حجر تفاديا للسقوط في مياه الصرف الصحي الطافحة، و يشرب من طلمبة ماء ماءها مختلط بماء الصرف الصحي كما يشرب الكثير في ريف مصر بل و في بعض مناطق القاهرة و المدن الأخرى، و ليبيتا ليلة في المقابر في ضيافة أسرة مصرية تعيش هناك حياة دائمة كاملة و يأكلا من أكلها، ليريه حال الشعب الذي يريد له أن يحكمه و ليحثه على النهوض به، و ليعلمه أيضا درس في التواضع؟

إننا كمصريين نعلم جميعا أن الأب لم و لن يفعل أي من هذا أبدا، بل نقيض كل هذا و أسوء، و ليس تجربتنا مع الأب وحده هي التي تجعلنا نقول هذا، رغم إنها في حقيقة الأمر تكفي لأن ننفخ في الزبادي، و لكن هل ننسى إعترافات مبارك الأب المتكررة بأن ولده جمال يقف معه و يساعده بالفعل في إدارة الدكان، أقصد مؤسسة الرئاسة، و ذلك منذ عدة سنوات؟ ألسنا جميعا نتفق في إن لمصر اليوم رئيسان، أحدهما يدير مصر من عاصمة مصر للشئون الخارجية، شرم الشيخ مبارك، والأخر رئيس مصر للشئون الداخلية و يديرها من عاصمة مصر للشئون الداخلية بحي مصر الجديدة، حتى عدنا لأيام ما قبل الملك مينا و توحيد القطرين؟ فهل لمسنا أي تطور للأفضل خلال الست سنوات الماضية التي أدار فيها الإبن دفة الأمور الداخلية، أم أن العكس هو الذي ذقناه و عانينا مرارته؟

الحقيقة التي ذقناها و نذوقها، تجعلنا نقول بالبلدي: يفتح الله و بناقص تلك الخبرات، و ليكتمها السيد جمال مبارك في صدره و لا يدعها تخرج أبدا، فقد جربنا بالفعل خلال الستة أعوام الماضية حصيلة ما تعلمه، و حقا لا نحتاج المزيد من تلك البضاعة الفاسدة بعد أن أكلنا منها ستة أعوام بالغصب والقسر حتى أصاب مصر المرض، ستة أعوام هي بمثابة وش القفص، فإذا كان وش القفص فاسد غير صالح للإستهلاك الأدمي، فما بالنا بما بداخله بعد أن يتم التوريث و يصبح حقيقة راسخة و تختفي الحاجة للمهادنة و المداهنة.

مصر ما تحتاجه حقا هو رئيس من خارج ليس فقط مؤسسة الرئاسة الحالية، بل من خارج كل المنظومة التي تدير الدولة حاليا، لأن الفشل الذي تعيشه مصر و يعاني نتائجه المرة كل الشعب المصري، عدا قلة محظوظة، يؤكد هذا المطلب، و يزيد على توكيد هذا المطلب هو دراسة التاريخ السياسي للعالم، تلك الدراسة التي نخلص منها بأن القيادة الخلاقة التي تقود الأمم تأتي في معظم الأحوال من أناس عاشوا خارج قوالب الحكم السابقة الجامدة.

زعماء مثل غاندي و مانديلا و مارتن لوثر كنج، لم يكونوا ممن تولوا أي مناصب سابقة رسمية في إدارة دولهم، لكنهم أصبحوا زعماء ملهمين لشعوبهم و قادوا حركات سياسية و إجتماعية جريئة، و أشدد على كلمة جريئة، غيرت وجه بلادهم، و هذا جزء مما تحتاجه مصر بعد أن أطبق التطرف بيديه على عنقها.

كذلك الأمر بالنسبة للحكام الذين إتخذوا قرارات مصيرية في حياة شعوبهم، و أداروا دولهم بكفاءة حقيقية و خطوا ببلادهم خطوات واسعة في طريق التمدن و الرفاهية، سنجد أغلبيتهم الساحقة ممن لم يتقولبوا في القوالب العتيقة للأنظمة الحاكمة الفاشلة السابقة عليهم، و لم يدرسوا حتى علوم السياسة و الإقتصاد النظرية في الجامعات، تلك الدراسات التي تعمل أيضا بمثابة قوالب تقولب العقول و تحجرها.

أن ذوي الفكر الخلاق و الزعامة الملهمة دائما ما يأتون من خارج منظومات الحكم، و لم يسبق لهم تولي مناصب إدارية رفيعة في دولهم و لم يجلسوا على مقاعد الدراسة لدراسة علم إدارة الدول، و لم يسقيهم آبائهم أسرار مهنة الحكم، لقد كانوا من أصحاب العقول الحرة المحلقة التي لم يتم أسرها في أقفاص الأنظمة العتيقة و النظريات البالية.

شعوب منطقتنا المنكودة لا تحتاج للمزيد من أمثال خبرات مبارك الأب و القذافي الأب و عبد الله صالح و البشير و من قبلهم الأسد و صدام. بناقص تلك الخبرات، و ليحتفظ أولاد القذافي و مبارك و عبد الله صالح بخبرات آبائهم، لأننا كشعوب لسنا بحاجة لها.

ما تحتاجة مصر و أغلب دول منطقتنا هو نفوس شجاعة و عقول حرة طموحة محلقة في سماء الحرية و المدنية، عطشى لخدمة مجتمعاتها و الأخذ بها للأفضل.

ما تحتاجه شعوب المنطقة هو زعامات حقيقة لا تخاف مواجهة التحديات اللازمة لإزالة الرواسب التي خلفتها الأنظمة القديمة التي حكمت منطقتنا و كبلتها و ساقتها قسرا للخلف، من فساد و جهل و تطرف.

إحتفظ يا جمال بخبراتك لنفسك و لا تفرط فيها أبدا، لإننا كمصريين لا نحتاجها، لقد قررنا كشعب أن نغير مسارنا جذريا، و أن ندخل مرحلة جديدة، مرحلة بناء مصر حديثة أخرى دولة و مجتمع، و هي مرحلة لا تحتاج هي و ما بعدها مثل خبراتك.

لقد إستيقظنا

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين الحسني

 المنفى القسري : بوخارست - رومانيا

حزب كل مصر - حكم

تراث - ضمير - حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر

21-02-2007

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق