بل أنبتت أيضا ثمرا طيبا
كنت أحد الصديقين المعنيين في
مقال للكاتب الكبير الأستاذ عادل حزين، بعنوان: شجرة التفاح التي تطرح حنظلا، و
المنشور بموقعي إيلاف و الأقباط متحدون، إستعرض
سيادته فيه بضع نقاط تخص
الإسلام، منها أولا: القول
بالإنتشار بالسيف، و
ثانيا:
أن الإسلام شجرة لا تخرج إلا الحنظل و الأشواك، و
ثالثا:
غياب أي تأثير خيري للإسلام
على المسلمين كما فعل بيل جيتس و غيره من المحسنين
الغربيين الذين إستشهد بهم
سيادته في مقاله القيم.
لهذا ليسمح لي سيادته - و بكل الود و
الإحترام - بتفنيد النقاط الثلاث السابقة
الواردة بمقاله، ليكتمل الموضوع و يصبح الأمر
أخذا
و
رد:
أولا: إذا ناقشنا أمر الإنتشار
بالسيف، فإننا لا ننكر بإنه حدث في بعض الفترات التاريخية في مصر، و بخاصة في
الفترة المملوكية، هذه حقيقة لا يستطيع أن ينكرها كل من إطلع على كتب التاريخ
المعاصرة للعصر المملوكي و المكتوبة بأيدي مسلمين مصريين موثوق بهم،
مثلما حدث أيضا بالهند. و لكن
أيضا فإن الأستاذ
عادل
حزين يعلم
و
بلا شك أن الكثير من سكان
شرقي أوروبا من البلغار و السلاف و البلطيقيين قد دخلوا أيضا الكاثوليكية بحد
السيف، و كذلك فإن الدولة البيزنطية أرغمت
الوثنيين في ربوعها على
الإيمان بالمسيحية و يكفي
التذكير بالمراسيم الأمبراطورية و أشهرها المرسوم الشامل الذي أطلق عليه فازيليف
إسم: إنشودة الأحزان الوثنية، و أيضا جهود جستنيان في هذا المجال و
الذي أغلق معبد إيزيس بفيله، و الكنيسة
المصرية أيضا أرغمت الوثنيين
المصريين على إعتناق المسيحية و إضطهد جميع المسيحيين
اليهود و شرعنوا ذلك الإضطهاد
بقوانين أصبحت أصل الشروط العمرية، و التي طبقت عليهم فيما بعد.
و في ميدان الفكر الحر حاربت
السلطات البيزنطية الفلسفة فأغلق جستنيان أكاديمية أثينا
الشهيرة التي طالما أثرت
العالم بروائعها، و قتلت منظمات إرهابية
مسيحية مصرية
فلاسفة و لغويين و مفكرين لأنهم لم يدينوا بالمسيحية و تعرض
بعضهم للنقد لها، و أشهر تلك المنظمات جمعية محبي الآلام و أشهر
ضحاياها الفيلسوفة هيباشيا، إذا لا حاجة لأن ندخل في نقاشات حول الإرغام و التمييز،
و لا حاجة للقول بأن المسيحيين كانوا جميعا قديسين، فأسلاف المسلمين و المسيحيين
لطخت أياديهم بدماء مخالفيهم
في أوقات مختلفة، لكن هذا في كل حال كان الإستثناء أو على الأقل ليس
المعبر عن روح الديانتين، لأنه لو كان السيف هو روح الإسلام، وكانت الأسلمة بالقسر
هي القاعدة و ليست الإستثناء، لكنتم سيادتكم تدينون بالإسلام، و لكانت مصر بأكملها
مسلمة مثلما أسبانيا
و البرتغال تدينان بالمسيحية.
ثانيا: أما القول بأن الإسلام
شجرة لا تخرج، بضم التاء، إلا الحنظل و الشوك، فإن هذا القول مجافي للحقيقة كل
الجفاء، و إلا أين يقف ابن عربي الأندلسي الشاعر الصوفي صاحب الأبيات المتسامحة
الشهيرة؟ و أين يمكن أن نضع جلال الدين و مثنويه، شيخ
و مؤسس الطريقة المولوية الصوفية
و الرومي بالمولد و الإقامة و الفارسي بالأصل؟ و إلى أي دين ينتسب
الحسن البصري بزهده و رابعة العدوية بعشقها الإلهي، و ذون النون
المصري الإخميمي القبطي
المؤسس الحقيقي للتصوف،
و ابن
الفارض الشاعر
المصري الصوفي دفين المقطم؟ و
ماذا كان يعتنق أبوحنيفة الفارسي مؤسس المذهب الحنفي الذي إشتهر بالتيسير على الناس
إلى حد الليبرالية، بما جعله موضع لعنة
المتعصبين و تكفيرهم و
إتهامهم المعلب بالمجوسية؟ إليس إلى الإسلام!!!
و ما هي طبيعة
كتابات الكثير من المصلحين الحاليين، الذين تعرف و لاشك سيادتكم
بعضهم، أليست أيضا كتابات إسلامية إصلاحية تحث على التعايش؟
أستاذ عادل حزين، كل تلك الأمثلة، و
هي على سبيل المثال و ليس الحصر، إنما هي من الإسلام، لكنه إسلام غير
الذي تراه سيادتكم اليوم و نراه معكم. و لكن ليس هذا ذنبا للإسلام، إنما ذنب
المسلمين الذين سمحوا للفرع الشائك الذي لا ينبت إلا الحنظل و الشوك ان ينمو و
يترعرع حتى كاد أن يخنق الفروع الأخرى.
ثالثا: أما عن
الإحسان و المحسنين، فقد أتيت سيادتكم على ذكر كل مثالب المسلمين، فدعني أذكر أنا
محاسنهم و هذا أمر علي يسير،
فالأمثلة
للمحسنين من
المسلمين في كل عصر تفيض حتى يصعب حصرها، وعلى كافة المستويات، و الذين لم يبخلوا
على مجتمعهم،
بمسلميه و مسيحييه و يهوده و حتى بدوابه و
طيوره.
فالبيمارستان المنصوري، الذي
طفقت شهرته الأفاق، و تحدث عنه حتى الرحالة الأوروبيين الذين زاروا مصر في العصرين
المملوكي و العثماني، كان
منشأة خيرية و
مفتوح لجميع المرضى، و الأوقاف التي رصدت على الأسبلة و التكايا يحفل بها التاريخ
الإسلامي في العصر الوسيط و العثماني و حتى خلال فترة حكم الأسرة المحمدية
العلوية و أشهرها مبرة محمد
علي.
بل إن إدوارد لين، المستشرق
البريطاني المعروف، و الذي كتب عن مصر ثلاثينات القرن التاسع عشر، كتابه المعروف،
المصريين المحدثين شمائلهم و عاداتهم، تحدث عن إستمرارية وقف الظاهر بيبرس الذي
أوقفه على القطط الضالة، و المؤرخين
و الرحالة
جميعا، مصريين و عرب و أجانب، تحدثوا أيضا عن الأسبلة التي كانت تقام لشرب و إطعام
الدواب و الحيوانات و الطيور.
و في العصر الحديث إن شئت
سيادتكم أمثلة، فأذكر تبرع المصريون من أجل الجامعة المصرية، و
اشهرهم الأميرة فاطمة بنت الخديو إسماعيل التي تبرعت بأراضي لتلك الجامعة الأم، و
لم يقف عطاء تلك الأميرة الفاضلة عند ذلك بل أيضا تبرعت بقصرها و حدائقه و الذي
أصبح المتحف الزراعي المصري.
و
في القرن العشرين تبرز ايضا أمثلة كثيرة أخرى، منها تبرع الشيخ عبد
الرحيم باشا الدمرداش، شيخ
الطريقة الدمرداشية المحمدية الصوفية، و أفراد أسرته بالأرض و المال لإقامة مستشفى
الدمرداش و الذي أهداه للدولة و فتحه لكل طوائف الشعب المصري، و لا ننسى إبنته قوت
القلوب الدمرداشية التي كانت راعية للأدباء و
الشعراء ومن خيرها نال نجيب
محفوظ أول جوائزه. و في صعيد
مصر تبرع لملوم باشا أيضا بإقامة مستشفى في المنيا، و هناك أخرين أقاموا المستشفيات
و المدارس أيضا،
وكيف ننسى عبد
العزيز فهمي باشا، احد الثلاثة الذين قابلوا المندوب السامي البريطاني مع سعد زغلول
عام 1918، و الذي كان ينزل إلى
قريته كل صيف ليقوم بالإشراف بنفسه
تطوعا على محو
أمية أهل بلدته، و لازال حتى اليوم تجد الكثير يحسنون إلى مجتمعهم، كل حسب
إستطاعته، فكم من مرة رأيت بمحطات مترو
الأنفاق و بجوار المساجد
مثلجات للماء مقامة كصدقات
جارية تذكرني حين أراها
بالأسبلة التي كانت تقام لإرواء عطش العطشى من الإنسان و الحيوان، و هناك من عرفت
من طلاب الجامعات و أساتذة المدارس و الكليات، من يقوم بإعطاء دروس
مجانية
للمحتاجين من الطلاب البسطاء
الذين ليس بمقدور ذويهم تحمل تكاليف الدروس الخصوصية، و هناك ربات
بيوت من أسر كريمة يقمن
بالتسوق و الطهي لبعض العجائز القاطنين بمفردهم، كل هذا أتكلم عنه لإنني رأيته و لم
أسمع به، و كل أولئك المحسنين
و المحسنات من مسلمي اليوم و ليس الأمس البعيد.
إذا المشكلة أيضا ليست في
الإسلام، إنما هي في بعض المسلمين الذين إختاروا طريق التعصب، تماما كما في
المسيحية، فالكنيسة التي بررت الحروب الصليبية ضد المسلمين و الكاثار بجنوب فرنسا
والوثنيين بالبلطيق و ترانسلفانيا و ضد البروتستانت في حرب الثلاثين
عاما و إستخرجت
من كتابات قديسيها كالقديس أوغسطين ما بررت به عنفها و دمويتها، هي أيضا
التي ترسل الأطباء و الممرضات و تقيم المدارس و
المشافي في أخطر المناطق
كالصومال، إذا ليست المشكلة في المسيحية و لكن أيضا في بعض
المسيحيين.
اليوم الواجب على المسلمين هو
أن تعود القلة الضالة
المتعصبة منهم
للفروع التي
أنبتت الزهور و الثمر الطيب لتستظل
بظلها و تأكل من حلو ثمرها،
و أن يخرج
الجمهور الإسلامي عن حالة السلبية لينضم للجهود التي تعمل من أجل
إستئصال فروع الشوك و الحنظل، فيقوى تيار الإعتدال و التسامح الذي ساعد على أن
يخرج، بضم الياء، من المسلمين أحسن ما فيهم، و الذي لا يقل في إنسانيته عما أخرجت
الأمم الأخرى، الواجب اليوم أن يساند الجميع المعتدلين الإسلاميين، لا أن يقف
الجميع حربا ضدهم.
و اليوم أيضا هناك واجب على
المسيحيين في مصر، و الذين
سوف يكونوا أول
وأكبر الخاسرين لو إستفحل تيار التعصب، بل حتى لو إستمر الوضع الحالي دون تغيير،
في عدم إبعاد
جمهور المسلمين عنهم، فرجاء، و سيادتكم رجل القانون، أن تساهم في تقريب الصفوف و
تشجيع الإعتدال للطرفين، فهذا وقت التكتل لا وقت الفرقة، فالخطر يدهمنا جميعا، و
المسيحيين المصريين يقفون في أول الصفوف التي سيدهمها قطار
التعصب.
و تقبل تحياتي و
تقديري
أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين محمد علي عبد الرحمن
الحسني ؛ اسم العائلة : الحسنية ، و ينطق بفتح الحاء
الاسم النضالي المختصر : أحمد حسنين الحسنية / أحمد حسنين الحسني
المنفى القسري : بوخارست -
رومانياحزب كل مصر - حكم ، شعار الحزب ؛ تراث - ضمير - حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر
02-10-2006
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق