قبل فرض أي
رقابة حوارية ، ما هو اليسار أولاً ؟
فتح
موقع الحوار المتمدن باب تقييمه علانية ، و هذه بالتأكيد خطوة عظيمة ، ليست فقط في
مضمونها ، و لكن أيضا بسبب إنه الموقع الوحيد ، بين المواقع السياسية و الإخبارية
الناطقة بالعربية - و ذلك حسب علمي - الذي أقدم على خطوة شجاعة و هامة كهذه
.
الحوار المتمدن بلا شك لم يفتح هذا الباب من أجل سماع عبارات
الإطراء - و التي يستحقها عن جدارة - و إنما من أجل تقييم الماضي ، للإستفادة به في
المستقبل .
كلنا
ككتاب بالحوار المتمدن ممتنين لصاحب ، أو أصحاب ، الفكرة ، و لكل من أسهم في
إنزالها لأرض الواقع ، و لكل من قام و يقوم بإدارته و الحفاظ على دولاب العمل دائرا
، فالكثير منا يفتقر لنافذة واسعة تصل برأيه لأكبر عدد من القراء ، و قليلة هي
المواقع الجريئة التي بنفس جماهيرية الحوار المتمدن ، و أكثر قلة هي المواقع التي
نجت من إختراقات أجهزة الإستخبارات .
الحوار المتمدن ليس لنا ككتاب فقط قناة لطرح أفكارنا ، إنه أيضا
قناة إستقبال ، قناة للتواصل و المعرفة ، فكل كاتب هو أيضا قارئ ، و أعتقد أن
الصفتين متلازمتين في موقع الحوار المتمدن بأكثر مما هي في أي موقع أخر ، فالباقة
اليومية متنوعة و كبيرة ، تصل دائما لأكثر من سبعين مقال في القسم السياسي -
الثقافي ، بالإضافة لمركز الأخبار و القسم الأدبي .
و
لكن كما قلت فإن إدارة الموقع لم تفتح باب التقييم لسماع الجانب الإيجابي فقط ، و
إن كان هام للحفاظ عليه و تنميته ، و إنما في الاساس لسماع النقد السلبي
.
الحوار المتمدن ، و كما أرى ، يحتاج لأن يوسع من طيفه السياسي و
الثقافي و الإجتماعي ، فلا ينحصر فقط في لون واحد .
الموقع - كما هو واضح - هو معبر عن اليسار ، و لكن ما هو اليسار
أساسا ؟ إذا أضطررنا لإستخدام التعريفات .
هل
يسار اليوم هو يسار الأمس ؟ إذا إستخدمنا التقييم الزمني
.
هل
يسار اليوم في أوروبا هو ذاته يسار أمريكا اللاتينية أو اليسار في الولايات المتحدة
أو الهند أو جنوب أفريقيا ؟ إذا إستخدمنا التقييم المكاني مع توحيد العامل الزمني
.
هل
اليسار اليوم في فرنسا ذا لون واحد ؟ إذا وحدنا عامل الزمن و عامل البيئة لأقصى حد
بحصر المقارنة في بلد واحد ذا شعب متجانس لحد كبير .
شخصيا لا أؤمن أبدا بالخطوط القاطعة الحادة في ميداني السياسة و
الإجتماع ، لأن هذه هي الحياة ، فلا يوجد شيء إنساني نقي تماما و منفصل تماما أيضا
عن التأثر بالآخرين و التأثير فيهم في نفس الوقت .
السياسة و الإجتماع علمين
إنسانيين ، و أي مطلع على علم السياسة يعرف أن علم النظريات السياسة هو أحد أكثر
العلوم الإنسانية التي حدث فيها عمليات دمج بين عناصر مختلفة
؟
النظريات السياسية ليست إلا سبائك ، و لا توجد فيها معادن نقية
.
و
إذا كان الدمج بين عناصر مختلفة لتكوين نظرية سياسية هو الحقيقة الأولى ، فإن
الحقيقة الثانية هي أن المدارس السياسية غالبا ما تتحرك عن مواقعها ، فيتم تبادل
الأماكن في أحيانا كثيرة ، و على سبيل المثال :
من
يعرف سيرة تشرشل - حسبما كتبها هنري بلينج - سيعرف إنتقال تشرشل من حزب المحافظين
إلى حزب الأحرار ، ثم عودته ثانية لحزب المحافظين ، بسبب إنه كان يؤمن ببعض العناصر
في سياسة المحافظين و في ذات الوقت يؤمن بحرية التجارة ، و تلك الحرية هي أحد الأسس
التي قام عليها حزب الأحرار البريطاني ، ممثل التيار الليبرالي
.
فهل اليوم حزب المحافظين
في بريطانيا لازال يتبنى سياسة تقييد حرية التجارة ؟
أليس
حزب المحافظين البريطاني اليوم هو المدافع الأول عن حرية التجارة في بريطانيا ؟ و
هو موقف يدل على تغيير إتجاهه بمقدار مائة و ثمانين درجة
.
حزب العمال في بريطانيا ،
أو الحزب الإشتراكي الفرنسي ، أو الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة ، أو حزب
المؤتمر في الهند ، أو حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا ، أو الحزب
الحاكم حاليا في أسبانيا ، أو الحزب الديمقراطي الإشتراكي في ألمانيا ، هل يفكر أيا
منهم في تأميم المشروعات الإنتاجية القائمة .
ألم تنبذ معظم الأحزاب
اليسارية القائمة حول العالم ، بما فيها الحزب الحاكم في قبرص حاليا سياسة التأميم
، و هي سياسة كانت فيما مضى أحد معالم اليسار ؟؟؟
اليسار اليوم يمكن تلخيصه بأنه الإحساس بالواجب تجاه المستضعفين
و المهمشين ، و ترجمة هذا الإحساس النبيل إلى خطوات عملية عندما تتاح فرصة الوصول
لموقع تنفيذي .
لقد
أصبح اليسار أقرب للتيار الليبرالي ، و ربما أكبر دليل على ذلك التقارب بين
الليبرالية و اليسار ، الإندماج الذي تم بين حزب الأحرار في بريطانيا و مجموعة
منشقة عن حزب العمال البريطاني ، و أدت لولادة حزب الديمقراطيين الأحرار ، الذي
أصبح المعبر عن تيار الحرية الإقتصادية مع النزعة الإنسانية ، و هو تيار يتقارب جدا
مع ما عرف بحزب العمال البريطاني الجديد في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي و
بدايات هذا القرن .
الخطوط ليست حادة فاصلة ، و السياسة من قديم الأزل مزج بين
الألوان .
موقع
الحوار المتمدن يحتاج أيضا أن يكون معبر عن كل التنظيمات السياسية ذات الحس
الإنساني ، المناصرة للمستضعفين ، و لو كانت مؤيدة لحرية التجارة و العمل ، و نصيرة
لرفع الحدود السياسية بين البشر ، و ترفض معاداة الدين ، بل تراه طريق للتحرر من
الفقر و الإستبداد و الخرافة ، دون أن تلجأ لفرض أي وجهة نظر دينية أو روحية على
أحد ، مثل حزب كل مصر .
لا
نريد رقابة حوارية متمدنة تقرر هل هذا يسار أم يمين ، فتقبل مقال و ترفض أخر بناء
على هذه السياسة .
نريد
أن يبقى الحوار المتمدن لنا ، ككتاب و قراء ، مائدة مستديرة بلا رئيس يمسك بالمطرقة
ليمنح هذا حق الكلام و يقطع حديث أخر .
و
لكن برغم هذا النقد يبقى أن أقول بأن تقييم الموقع بشكله الحالي يصل لأكثر من
ثمانية من عشرة ، إذا إستخدمت نفس طريقة تقييم المقالات المنشورة
.
و
لتبق لنا يا حوار يا متمدن ، و لتكن في الطليعة دائماً
.
أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين محمد
علي عبد الرحمن الحسني ؛ اسم العائلة : الحسنية ، و ينطق بفتح
الحاء
الاسم النضالي المختصر : أحمد حسنين الحسنية
/ أحمد حسنين الحسني
المنفى القسري : بوخارست -
رومانيا
حزب كل مصر - حكم ، شعار الحزب :
تراث - ضمير - حرية - رفاهية - تقدم -
إستعيدوا مصر
06-11-2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق