الثلاثاء، 5 فبراير 2013

حق لهم أن يحتفلوا

حق لهم أن يحتفلوا

هذه الأيام يحتفل الشعب المجري بثورة 1956، تلك الثورة التي دامت من الثالث و العشرين من أكتوبر إلى الرابع من نوفمبر من ذات العام1956 ، و التي صنعها المواطن العادي و وقف فيها أمام قوى الجبروت الحاكمة و المدعومة بالجيش السوفيتي، و هذا سر عظمتها و عظمة أي ثورة، إنه المواطن العادي، من أمثالنا،الذي لا يريد إلا الحرية و العدالة و الرفاهية، و الذي يملك طاقة هائلة مختزنة تنتظر لحظة الإنعتاق لتدافع عن أو تسترد تلك الحقوق الثلاث الأساسية.

الحدث حقا كبير و عظيم، و الإحتفالات الرسمية كذلك رائعة التنظيم، و روعتها إنها لم تكن كمعظم إحتفالاتنا التي تنحصر في حفل غنائي رسمي يضم النخبة الحاكمة على رأسها رئيس الدولة، أو بعض الإستعراضات في الإستاد الرياضي الرئيسي لنفس النخبة مع المنتقين من أفراد الأمن و بعض وحدات الجيش مع بعض شباب و شابات الحزب الحاكم. المجريون يعلمون أنها كانت ثورة المواطن العادي و لهذا كان الإحتفال موجه في الأساس لهذا المواطن الذي له الأولوية دائما في أي بلد حر بحق، فأخرجوا الإحتفال للشارع و حرصوا أن تلمس الأجيال الناشئة هذا الحدث الذي قام به أجدادهم و أباء أجدادهم، فأخرجوا أسلحة تلك الفترة و سيروها في الشوارع لتعرض على الجمهور و سمحوا أن يعتليها الجمهور و بخاصة الأطفال، فزرعوا بذلك فيهم معاني الحرية و العدالة، و الحق في طلب الرفاهية، و إن تلك الحقوق البديهية لا تأتي على أطباق ذهبية بل بالتضحية و الإستعداد لبذل الدم من أجلها، فهم يعلمون بأن ترسيخ تلك الأفكار في نفوس النشء هو الضمان الوحيد لتجذر تلك القيم في بلادهم، لقد كان حقا درسا جميل يسهل أن يبقى في ذاكرة أي طفل و صبي، لأنه لمسه بيده و شاهده بعينه، لا كلمات تقرأ في فصل دراسي تلقيها عليه المعلمة بصوت يفتقر لنبرة الإيمان و يحفظها الطفل من أجل أن يلقيها في ورقة الإجابة أخر العام.

على إنه هناك ما هو أكثر إبهارا من الإحتفالات الرسمية على روعتها و حسن تنظيمها و ما إحتوته من دروس غير مباشرة مؤثرة. ذلك الإحتفال الشعبي الذي نظمته قطاعات من الشعب المجري، حين أقامت المخيمات في أكبر ميدان و في بعض الحدائق الرئيسية إحتجاجا على رئيس الوزراء و مطالبتها إياه بالإستقالة بعد أن ثبوت كذبه على الشعب قبيل الإنتخابات العامة التي أجريت في إبريل من هذا العام 2006، و ذلك حتى يربح الإنتخابات و قد كان له هذا، و لكن الكذب سرعان ما أفتضح و ثبت بحديث مسجل غير ملفق، و ذلك في السابع عشر من سبتمبر 2006، فكان للكثير من أفراد الشعب المجري كلمتهم فإحتجوا على كذبه منذ سبتمبر الماضي و حتى اليوم، فكان هذا الإحتجاج بحق أروع إحتفال بذكرى ثورة قامت من أجل الحرية. لقد أثبت المجريون إنهم حقا أبناء و أحفاد مخلصين لمن قاموا بثورة 1956، فالإحتفال بذكرى أي ثورة ليكون صادقا حقا، يجب أن يكون الجيل الذي يحتفل بتلك الذكرى يتمتع بقيم تلك الثورة أو على الأقل يناضل من أجلها.

فهل كان يحق للجيل الحالي أن يحتفل العام الماضي 2005 بالذكرى المئوية الثانية لثورة 1805؟ هل كان يحق للسلطة الحاكمة أن تحتفل بها أو الشعب المصري؟ لا، فنحن أبعد ما نكون عن قيمة حق إختيار الحاكم و منعه من الإنفراد بالسلطة و حق محاسبته، تلك القيم الرفيعة التي من أجلها ثار الشعب في 1805. فلو كانت السلطات المباركية الحاكمة هي من إحتفل بتلك الذكرى العظيمة لكان ذلك نفاقا بين، فهل كان من الصدق أن يحتفل بها رئيس تربع على الحكم قرابة ربع قرن، لم يحكم فيها، و لازال، إلا بقانون الطوارئ، و لم يدخل أي إنتخابات رئاسية، و أعني منذ توليه الحكم و حتى مايو 2005، و حتى التعديل الدستوري الخاص بالإنتخابات الرئاسية و الذي جاء نتيجة ضغوط داخلية و خارجية ولد ميتا فارغ المضمون، يعمل كضمانة للحفاظ على بقاء الكرسي من تحته و للتوريث أكثر من عمله على إقرار حق إختيار الحاكم؟؟؟ كيف يمكن أن يحتفل بها رئيس حارب كل مظاهر الديمقراطية من القرية للجامعة، فأصبح عمدة القرية و عميد الكلية بالتعيين، و الأحزاب المعارضة إما جمدت أو أحتلت فإنقلبت من المعارضة إلى الموالاة، و مجالس بعض النقابات مجمدة، و المعارضين إما بالسجون بتهم ملفقة أو ينتظرون بأحكام عسكرية سابقة الإصدار و إما في الخارج، و المفكرين الإصلاحيين على إختلاف مشاربهم تم إرهابهم رسميا حتى فر أكثرهم جراءة في الحق إلى خارج مصر بعد أن إستحال عليهم قول الحقيقة في بلادهم، و المجتمع المدني الحر قد أصابت الشروخ بنيانه تحت ضربات مطرقة السلطة التي لا ترحم والتي تخشاه أكثر مما تخشى قوى التطرف، و الفساد الرسمي على أشده و في أوج عنفوانه؟؟؟؟ إن ما ذكرته ليس إلا قطرة من سيل عرمرم إجتاح الحياة المدنية المصرية فدمرها، فلكل فرد من الشعب قائمة طويلة يستطيع أن يسردها عن مساوئ هذه الحقبة الغبراء التي تعيشها مصر.

أما لو إن الشعب المصري هو من إحتفل بثورة 1805، لكان ذلك مثيرا للسخرية و الإستهزاء، فكيف يمكن لشعب مسحوق، لا يفتح فاه محتجا على الفساد أو مطالبا بالحقوق، و إستسلم للأمر و كأنه قدر، و أسلم الكثير منه قيادة لقوى التطرف و العنف و الإنغلاق حتى أصبحت أكبر قوة معارضة، أن يحتفل بثورة تجلت فيها أسمى معاني الحرية - مع مراعاة عامل الزمان - حين قامت من أجل حق إختيار الشعب لحاكمه و عدم إنفراده بالسلطة مع حق محاسبته و عزله، مثلما تجلت فيها أسمى معاني التضحية حين بذل ابناء الشعب المصري دمائهم في التصدي لقوات الإنكشارية العثمانية و حماية ثورتهم بقيادة ابن شمعة نقيب الجزارين. ثورة لا تقل شعبية و حداثة عن أي ثورة، فقد شارك فيها العالم و الأمي، المسلم و المسيحي و اليهودي، طالب العلم و الحرفي و التاجر الثري و البسيط، و من أجل قيم حداثية؟؟؟ نحن أبعد ما نكون عن قيم ثورة 1805 رغم مرور قرنين على قيامها، بل و لا حتى نناضل من أجل قيمها، لهذا لا يحق أن نحتفل بها.

إننا إذا كنا قد أضعنا فرصة الإحتفال بالذكرى المئوية الثانية لثورتنا الأولى في العصر الحديث و نحن أحرار، فإن بإمكان الشعب المصري أن يتدارك الأمر و ألا يدع الذكرى المئوية الأولى لثورته الثانية تأتي في 2019، دون أن يكون بحق متمتعا بكل قيمها التي قامت من أجلها و أكثر، قيم إستقلالية مصر الأرض و القرار، و تبادل السلطة و حسابها مع الحرية بكافة أشكالها و العدالة بكل أوجهها و على كافة مستوياتها، و المساواة المطلقة بين أبناء الوطن الواحد، و الحياة الكريمة للجميع، حتى يستحق أن يحتفل بذكراها و ذكرى أي ثورة مدنية قام بها.

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين محمد علي عبد الرحمن الحسني
الأسم النضالي المختصر : أحمد حسنين الحسنية / أحمد حسنين الحسني

المنفى القسري : بوخارست - رومانيا

حزب كل مصر - حكم ، شعار الحزب : تراث - ضمير - حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر

01-11-2006

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق