العصيان الهلالي المدني
ربما لازال بعض
المصريين يتذكرون أحد أشهر رمضان في الثمانينات من القرن الميلادي الماضي، حين آوت
مصر إلى فراشها على أن غدها هو المتمم لشعبان لتصحو لتتناول إفطارها و تذهب لعملها
و إذ بالسلطات الحاكمة تعلن في صبيحة ذلك اليوم أنه غرة رمضان، و ظلت
الإذاعتين المرئية و المسموعة تذيع على الناس النبأ و ظهر مشايخ النظام
على الشاشة يعلنون للشعب أن الصيام يبدأ منذ أن يعلم المرء بالخبر و أن
عليهم أن يشرعوا في صيامهم حتى لو كانوا قد تناولوا
إفطارهم و شربوا شايهم أو قهوتهم، و شرعت الإتصالات
الهاتفية تدور لينبه الأقارب و الأصدقاء بعضهم بعضا لتلك المفاجأة أو
المهزلة، و أتذكر كيف علم البعض من معارفي الخبر الساعة
الثانية و البعض الأخر الساعة الثالثة من بعد
الظهر ليبدأوا صيامهم منذ تلك اللحظة.
بطبيعة الحال لم
يظهر الهلال فجأة فالهلال لم يظهر في ليلة إستطلاعه و الحساب الفلكي
ذكر ذلك من قبل و ما كان من أمر إستطلاعه إلا تأكيد على ذلك، و لكنه ظهر في المملكة
العربية السعودية، و أصبح غدها غرة رمضان. لا يهم كيف تمت رؤيته هناك
فهذا شأن المملكة و سلطاتها الشرعية، ما يهمنا أن السياسة تدخلت لتناقض
العلم و الشرع، فأصبح أمر أهلة رمضان و العيدين مرتبط بالسياسة، و لم يعد للعلم و
الشرع أهمية تذكر، فكم من مرة صمنا في شعبان و أفطرنا في رمضان و وقف
الناس على عرفات في غير التاسع من ذي الحجة، حتى أصبح الأمر مهزلة، و
لكن بالتأكيد كان لتلك المهازل المستمرة لليوم أثر على الرأي العام المصري الذي
أصبح الكثير منه يعتبرون أن درجة التماهي بين مصر و السعودية في الصيام و الإفطار،
أو لنقل بالأدق تبعية مصر للسعودية في تلك الأمور، مؤشر على درجة حرارة العلاقات،
أو الإنقياد من النظام الحاكم في مصر للنظام الحاكم بالمملكة.
التبعية المصرية
المباركية ليست حكر على أهلة الشهور القمرية، إنما تلك أحد مظاهرها اللافتة
للإنتباه و خاصة في شعب محافظ كالشعب المصري الذي قد لا يهتم الكثير من بسطائه بما
يحدث في المجال السياسي، و يقف ممتعضا و لكن صامتا أمام ما يرتكب في الميدان
الإقتصادي من أمور تزكم الأنوف، و لكنه يهتم بشدة أن يصوم رمضان
كاملا و أن يفطر في يوم العيد الصحيح و
أن يذبح أضحيته في العاشر من ذي الحجة،
و أن يقف على عرفات - إن كان حاجا - في يوم التاسع من ذي
الحجة و ليس الثامن أو العاشر منه.
لقد أضحت في مصر
سيطرة دينية وافدة جلية لا تخفى على العيون، و تلك
السيطرة أصبحت خطيرة على السلام الإجتماعي المصري، فالأمر لا يقف في
المجال الديني على مواقيت الصيام و الإفطار و الحج، و إنما تعدى الأمر للمساس
بطوائف دينية إسلامية و غير إسلامية، و يكفي كمثال على ذلك : التأرجح
المباركي المخزي في الموقف من الشيعة و الذي لا يليق برئيس دولة كمصر، فحين شرع
النظام السعودي في إظهار مخاوفه من تنامي النفوذ الإيراني و إتهام الولايات المتحدة
بإنها السبب في ذلك، و ذلك بعد تصريحات وزير الخارجية السعودي سعود
الفيصل في عام 2005، إنزلق مبارك للسير في ذلك
الدرب و لكن برعونة و دون تروي فصرح لأحد الفضائيات بأنه
ليس للشيعة ولاء لبلدانهم إنما ولائهم لإيران، و هي تهمة لا يجرؤ أن
يلقيها على أهل أي طائفة أو دين أخر، فهو كأن يتهم مبارك الكاثوليك بأن
ولائهم للفاتيكان و ليس لبلدانهم، على سبيل المثال.
أما اليوم و بما أن
الريح السعودية قد تغير إتجاهها و رعت المملكة وثيقة مكة التصالحية
بين الشيعة و السنة، فكان لزاما على فخامته أن يغير من لهجته، فطالعنا منذ عدة أيام
بخطاب ليلة القدر الذي كان كله إشارات و أيضا عبارات صريحة عن لزوم
تفادي التشرذم و الفرقة و الإقتتال بين الطوائف و
المذاهب الإسلامية.
إنني أنتهز ذلك
الخطاب لأقول لفخامته إذا كنت فعلا صادق في أقوالك، و إن الأمر ليس أكثر من إنقيادا
أخر للنظام السعودي، فرجاء توقف عن إضطهاد
الشيعة المصريين، و توقف عن مطاردة المتصوفة الذين يعانون الأمرين تحت حكمك، و أعد
العمل بالمذهب السني الحنفي المتسامح ليكون بحق المذهب الرسمي لدار الإفتاء
بعد أن توقف العمل به في تلك الدار لصالح السلفية الوهابية التي إخترقت
الأزهر، و أوقف حملات السلفية السليطة على الإمام أبو حنيفة النعمان الفارسي مؤسس
المذهب الحنفي كما على التصوف و التشيع، و أوقف التمييز المنهجي الرسمي الواقع على
المسيحيين المصريين، هذا هو المحك الحقيقي لنختبر مدى صدقك، و لنعرف أن تلك
التصريحات المليئة بالود و التي تشع بالتسامح، ليست مجرد إنقياد أخر لإرادة سياسية
و دينية خارجية، بينما السياسة الداخلية كما هي إضطهاد و
تمييز من أجل توهيب الشعب المصري.
أما نحن كشعب فعلينا
اليوم و لحين تخلص الإدارة الرسمية المصرية من السيطرة الدينية الخارجية، وحتى
إنصلاح الأحوال، فتترسخ مبادئ حرية الضمير، و يصبح جميع أبناء مصر متساوين في
الحقوق كما في الواجبات، أن نعبر عن إستقلاليتنا كشعب بعد أن فقدناها كدولة، فنصوم
و نفطر حسب الحساب الفلكي المصري العلمي الدقيق، سواء
توافق ذلك مع أي دولة أجنبية أو لم يتوافق، و في هذا أمرين
إيجابيين. أولهما : إننا نتأكد بإننا نصوم في رمضان و ليس في شعبان، و نحتفل بالعيد
في شوال و ليس في المتمم لشهر رمضان، و نقف على عرفات في التاسع من ذي الحجة، و ليس
في يوم أخر. ثانيهما : إنه نوع من العصيان المدني السلمي، حين نؤكد
على إستقلالية القرار الشعبي المصري و رفضه للتبعية المهينة و السيطرة المذلة التي
قادنا لها النظام الحاكم الحالي. و لتكن هذه خطوة أخرى نخطوها في
سبيل إستعادة الطبيعة الدينية المصرية المتسامحة من بين أنياب و مخالب التطرف الذي
أصاب الجسد المصري بجروح غائرة. لتكن هذه
الخطوة
خطوة في طريق تعافي
مصر من التطرف الوافد و التبعية المهينة.
أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين محمد علي عبد الرحمن الحسني
الإسم النضالي المختصر : أحمد حسنين الحسنية / أحمد حسنين الحسني
المنفى القسري : بوخارست - رومانياحزب كل مصر - حكم ، شعار الحزب : تراث - ضمير - حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر
22-10-2006
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق