فوتوغرافية هذه
الحقبة
إرتبط ، في أوقات كثيرة ، فن التصوير ، سواء في شكل جداريات
أو لوحات مرسومة أو لقطات فوتوغرافية أو تصوير سينمائي ، بالأحداث و الحقب
التاريخية ، و هذا الإرتباط لا يعني فقط تخليد لحظة زمنية معينة ، فهذا يعد تعريف
محدود لهذا الإرتباط ، فهناك ما هو أعمق ، إنه الكشف عن طبيعة الحدث و مكنوناته ، و
الرمز لروح الحقبة الزمنية المعنية ، و ما وراء الحدث .
هناك أمثلة لمثل تلك اللوحات و اللقطات منها على سبيل
المثال :
الجدارية الفرعونية الرائعة التي تصور إخناتون جالسا على
مقعد مقابل لمقعد زوجته نفرتيتي ، و هما يحملان بناتهما الصغيرات ، تلك اللوحة التي
تعبر عن طبيعة الثورة الفكرية التي فجرها و قادها إخناتون ، و التي وصلت من الدين
إلى المجتمع إلى الفن ، فكسرت الحواجز التقليدية الجامدة الصارمة ، و القوالب
الصماء التي إعتاد الفنان المصري القديم إستخدامها لتصوير حكامه ، تلك القوالب التي
لازالت - و للأسف - تستعمل لليوم في الإعلام المصري للتعامل مع الحاكم و أسرته .
لقد وصلت ثورة إخناتون الفكرية للفنان المصري الذي عرف معها أن الحاكم ليس إلا بشر
عادي أولاً و أخيراً .
لوحتي الرسام الأسباني جويا ، الثاني من مايو ، و الثالث من
مايو ، التي جسدت الأولى مقاومة الشعب الأسباني للقوات الفرنسية الغازية ، و
الثانية فضحت وحشية الغزاة ، و بالمناسبة فإن اللوحة الثانية على وجه الخصوص أضحت
علامة تحول ، و بداية إنقلاب فني خرج بفن الرسم من قوالبه المعهودة آنذاك
.
صورة غاندي ، في نهاية مسيرة الملح الشهيرة ، و هو ينحني
ليلتقط حفنة من الملح من على الأرض ، لم تجسد فقط تلك اللحظة التاريخية التي كسرت
فيها إرادة الإنسان الأعزل قوة و مفعول قانون جائر ، بل غدت رمز للعصيان الشعبي
ليومنا هذا .
لوحة بيكاسو المعروفة بإسم :
Guernica ، هي مثال أخر للفرشاة و هي تجسد جريمة حرب ، لتصبح تلك
اللوحة رمز عالمي للحرب الأهلية الأسبانية ، و ما حدث بها من بشاعات
.
لقطة ألبرتو كوردا الشهيرة للمناضل العالمي تشي جيفارا ،
بنظرته المليئة بالعنفوان و التحدي و الأمل ، أضحت علامة لحقبة الخمسينات و
الستينات ، حين أفعم شباب العالم و مستضعفوه بالأمل في العدالة ، و القضاء على
الطغيان ، و لازالت تلك اللقطة تمثل تلك القيم لليوم لدى الكثيرين ، حتى ممن لم
يعاصروا تلك الفترة .
أيضاً لقطة الطفلة الفيتنامية التي تجري صارخة عارية فراراً
بعد أن صب الجيش الأمريكي و القوات الفيتنامية الجنوبية النابالم على قريتها ، أضحت
رمز لتلك الحرب ، و توارت كافة التفاصيل الأخرى لتلك الحرب الطويلة ، لتبقى الجريمة
هي الباقية في الأذهان .
لوحات و لقطات كثيرة أصبحت علامات لأحداث ، و رموز لعهود ،
و مفاتيح لفهم حقب .
فما هي اللوحة أو اللقطة التي تمثل حقبتنا الراهنة
؟؟؟
أعتقد أن أفضل لقطة فوتوغرافية تمثل طبيعة الحقبة الحالكة
الحالية هي لقطة للمناضل و الإعلامي الأهلي الرائد و الشجاع ، وائل عباس ، و التي
إلتقطها منذ فترة ليست بالبعيدة ، و هي واحدة من عدة لقطات متتالية تصور طغيان شرطة
الحاكم على أحد النشطاء أثناء أحد الوقفات الإحتجاجية ، و قد إخترتها من بين تلك
المجموعة من اللقطات لأنها تظهر عدة عناصر ، كل عنصر يرمز لشيء
.
وصف الصورة أولاً : في الصورة يبدو أحد النشطاء الشباب ،
ملقى على جانبه ، بعد أن تم إسقاطه أرضاً ، و هو محاط بمجموعة من أعضاء هيئة الشرطة
، حوالي سبعة أفراد ، مع إختلاف الرتب ، أحدهم بملابس مدنية ، و البقية في زيها
الرسمي ، و هناك ثلاثة أرجل ، لثلاثة أفراد بالملابس الشرطية الرسمية ، تنهال ضرباً
على الشاب الملقى ، في أماكن متفرقة من جسده ، و في الصورة يبدو أحد المارة الشباب
، و هو يلتفت بجزعه و رأسه بينما قدمية لازالت في إتجاهها الأول ، ليشاهد ، بينما
هو لازال سائر ، ما يحدث .
الصورة مفعمة بالرمزية التي تمثل هذه الحقبة ، فالجهاز
الشرطي هو الغالب في الصورة ، و هذه هي حقيقة المرحلة ، و التي يلمسها كل من عاش أو
يعيش في مصر في عهد آل مبارك ، أو حتى يعارض النظام من خارج مصر ، حيث دولة الأجهزة
الأمنية و قانون الطوارئ و المحاكم العسكرية و التواجد الأمني المكثف ، و بوكسات
الشرطة في كل مكان تنتظر الإمتلاء بمن أوقعهم حظهم العاثر في قبضة
شرطة الأسرة الحاكمة ، بينما المستيقظين - على إختلاف الإنتماء السياسي و الديني و
الفكري - الذين يمثلهم هذا الشاب ، ليسوا إلا قلة عزلاء - نعم مفعمة بالأمل ، و
ممتلئة بالحماس و الشجاعة ، و تدرك إنها على حق - و لكنها على قلتها تصر على التحدي
، أخيراً هناك معظم الشعب المصري ، الذين يمثلهم هذا الفرد من المارة ، الذي إلتفت
نصف إلتفاتة بجذعه و رأسه ، بينما قدمية لازالت تتحرك في إتجاه طريقه الأصلي ، ذلك
الفرد الذي ربما تعاطف مع الشاب الملقى ، و لكنه ربما لا يعرف لماذا يُضرب بهذه
الوحشية ، و هذا حال أغلبية المواطنين المصريين ، في قلب المدن الكبرى و أطرافها ،
و في عشش الصفيح و مستوطنات المقابر، و في نجوع مصر و كفورها ، و في
أفضل الأحوال يعرف ، و لكنه على أي حال – علم أو لم يعلم بالسبب - ماضي في طريقه ،
معتقداً أن البعد عن الحدث هو الغنيمة ، لهذا هو سائر في طريقه المعتاد ، رغم إنه
طريق مغطى بالأشواك ، و لكنه مازال يؤثر الألم المزمن ، و المعاناة اليومية ، على
ألم النضال .
هذه هي لقطة هذا العصر ، و التي تمثل هذا العهد ، و أتمنى
أن يأتي الوقت الذي نشاهد فيه لقطة تمثل بزوغ عصر جديد – عصر الجمهورية المصرية
الثانية - لقطة ربما يظهر فيها الشعب المصري و هو يقتحم مجلس الشعب و
الحاكم يلقي خطاب إفتتاح دورة برلمانية جديدة بحضور كافة رؤوس النظام ، أو أفراد من
الشعب يعتلون أسوار قصر الرئاسة بمصر الجديدة و يقتحم أخرون بواباته ، أو الحاكم و
هو يهرول هرباً مع أفراد أسرته لطائرة مروحية تدور محركاتها ، أو لقطة لطغاة هذا
العصر و لصوصه و هم يقتادون لمحكمة مدنية مصرية نزيهة ، و ضحاياهم يهللون
مبتهجين من حولهم .
على إن تلك اللقطة ، التي لم تأت بعد ، و التي يتمناها كل
مصري في نفسه ، سواء صرح بذلك أو أسرها في نفسه و لم يبح بها لأحد ، لن تتحقق مادام
هذا الملقى على الأرض لم ينجح لليوم في التواصل بدرجة كافية مع ذلك السائر في طريقه
.
أحمد محمد عبد
المنعم إبراهيم حسنين الحسنية
بوخارست –
رومانيا
حزب كل
مصر
تراث - ضمير -
حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر
15-05-2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق