المناضل من أجل
العدالة سيبقى ، الإختلاف في الوسيلة و الخطاب
هذا المقال ليس مدحاً و
تقريظاً ، أو تمجيداً ، و ليس كذلك تقييماً ، لشخص ، أو نظام ، أو عهد
، أو فكر ، إنما تفنيداً لمقولة شاعت ، و تناقلتها وسائل الإعلام العالمية ، بمجرد
إعلان فيدل كاسترو التنحي عن رئاسة كوبا .
المقولة مفادها ، ان تنحي
فيدل كاسترو ، هو بمثابة نهاية عصر مضى ، و نهاية لنموذج القائد المناضل
.
بلا شك هناك صحة في الشق
الأول من المقولة ، فأي قائد سياسي ، أو عسكري ، بارز ، إنما يمثل جزء من صورة عصره
، و كسنة الحياة ، فإن العصور تمضي ، بمضي الزمن ، و تتالي الأحداث ، و رحيل أعلام
كل عصر .
و لكن ، ما لم يوفق فيه ، من
أطلقوا تلك المقولة ، و تتداولوها ، هو ان تنحي فيدل كاسترو ، هو نهاية لنموذج
القادة المناضلين ، ذلك إنه طالما هناك غياب للعدالة - و الحرية أحد أشكال العدالة
- فهناك مناضلين من أجل الوصول إليها ، و تطبيقها على أرض واقع المجتمعات التي
تعاني من غيابها ، دون أن أعني أبداً أن فيدل كاسترو ، قد حقق الدولة الفاضلة في
كوبا ، و دون أن أنكر عليه أيضاً إنجازاته ، خاصة في ميداني التعليم ، و الصحة ، و
لكن ليتذكر القراء الكرام ، إن المقال ليس عن فيدل كاسترو ، أو أي شخص أخر
.
المناضل من أجل العدالة ، هو
شخص ، لن يختف سريعاً من العالم ، بل و لن يختف أبداً ، لأن العالم مازال بعيداً عن
العدالة ، حتى في الكثير من بلدان العالم الأول ، في أوروبا ، و أمريكا الشمالية .
بل حتى في العالم المثالي ، الذي لم يتحقق بعد ، فإنه سيحتاج إلى حراس
، يقظين ، فهناك دائما المتربصين بالعدالة ، كما يحدث ، منذ عام 2001 ، في أوروبا ،
و الولايات المتحدة ، حيث الحقوق الشخصية ، التي إكتسبتها الشعوب بالنضال الطويل ،
تنتهك بالقوانين المتتالية ، بإسم الحرب على الإرهاب ، التي أصبحت ذريعة ، يتذرع
بها أعداء العدالة ، هناك .
وسائل النضال هي فقط التي
تختلف ، بإختلاف ظروف كل مجتمع ، و بالتالي تختلف نوعية المناضل ، من ناحية المظهر
، لا الباطن ، فالهدف واحد دائماً ، و هو العدالة .
غاندي كان مناضل من أجل
العدالة ، و التي كانت في مفهومه ، تشمل إستقلال بلاده ، و عدم تقسيمها ، و محاربة
التعصب الديني ، و العرقي ، و إنصاف الطبقات المهمشة ، و محاربة الفقر ، و الجهل ،
و المرض ، و هي نفس أهداف الكثير من المناضلين ، ممن سبقوه ، و ممن تلوه ، و لكن
نموذجه ، كان يناسب مجتمعه ، و فعال في مواجهة عدوه الأول ، و أعني
الإحتلال البريطاني ، و قد عبر غاندي ذاته عن ذلك ، بالقول : يخامرني الشك في ان
نجاح دعوتي كان ممكناً ضد أي أمة أخرى . إنتهى قول
غاندي.
إذاً الوسيلة التي نجحت مع
البريطانيين ، ما كانت بالضرورة لتنجح لو كان الإحتلال إيطالي فاشي ، أو ألماني
نازي ، أو حتى فرنسي كولوني.
و بالإمكان الإضافة ، ان
وسيلة غاندي ربما ما كانت لتنجح في مجتمعات أخرى ، تختلف في الثقافة .
إذاً هناك عاملان يحددان
نوعية النضال ، أو المناضل ، أولهما نوعية العدو ، و ثانيهما طبيعة المجتمع ، و
ظروفه .
و لعل أفضل مثال على ذلك هو
فيتنام ، حيث الديانة البوذية المسالمة ، و حيث النموذج الغاندي ، قريب جغرافيا ، و
زمنياً ، و عقائدياً ، و لكن نوعية الإحتلال كانت تختلف في طبيعتها
.
كذلك نموذج
فيدل كاسترو ، و رفاقه ، كان يناسب المجتمع الكوبي آنذاك ، من حيث
طبيعة العدو ، المتمثل آنذاك في نظام باتيستا ، و من حيث ظروف المجتمع الكوبي وقتئذ
، تماما مثلما الصين في وقت معين ، ناسبها النموذج الماوي ، نموذج حرب العصابات
المنظمة ، حين كانت الفوضى تضرب بأطنابها في الصين ، و الحكومة المركزية شبه منعدمة
، و الأطراف التي تتنافس على السلطة متعددة .
و في دول أخرى ، لا يحتاج
المناضل إلا أن يؤسس حزباً ، يضمه ، و يضم من يشاركونه الرؤيا ، يدخل به الإنتخابات
، أو أن يطلق منظمة غير حكومية ، و غير ربحية ، أو حتى يكتفي بموقع على الإنترنت ،
ليبدأ نضاله من أجل أهدافه .
و مثلما تختلف نوعية النضال
، من مسلح إلى سلمي ، أو غير ذلك ، بإختلاف نوعية العدو ، و إختلاف طبائع المجتمعات
، و ظروفها ، فكذلك يختلف خطاب المناضل ، بإختلاف نوعية العدو ، و طبيعة المجتمع
.
فمثلاً في العصور الوسطى ،
سواء في الدول الإسلامية ، أو المسيحية ، تمكنت الأديان من النفوس ، و قاد الثورات
الوطنية ، و كذلك الثورات الإجتماعية ، و التي ليس شرطاً أن تكون مسلحة ،
رجال الدين ، أو من تدثروا بعباءة الدين ، مثل قائد ثورة الزنج ، أو ثورة
أهل الربض في عهد الحكم الأول ، بالأندلس ، أو الثورة الفكرية التي أطلقها الإمام
الكبير ابن حزم الأندلسي ، حين إنطلق يدعو لمجتمع عادل ، و لإنصاف المهمشين
المستضعفين ، بتقديم فقه إسلامي جديد مختلف . و هذا النموذج ، الذي يرتكز على
الخطاب الديني ، ليس حكر على العصور الوسطى ، فهو لم يختف من العالم ، و لن يختف ،
فمن الممكن إضافة غاندي ، و عبد الغفار خان ، و مارتن لوثر كينج ، لهذا النموذج ، و
أيضاً العديد من رجال الكنيسة الكاثوليكية ، و بعض المفكرين الدينيين ، في أمريكا
اللاتينية ، من أصحاب فكر لاهوت الحرية .
فالخطاب الديني لا يعني
دائما انه يتناقض مع شروط المجتمع المدني الحديث ، الذي يتساوى فيه جميع المواطنين
في الحقوق ، و إلا لكان ، غاندي ، و عبد الغفار خان ، و مارتن لوثر كينج ، و والي
خان ، و عبد القادر الجزائري ، و جمال الدين الأفغاني ، و سعد زغلول ، و المفكرين
اللاتينيين المسيحيين من أصحاب مدرسة لاهوت الحرية ، و الأحزاب المسيحية
الديمقراطية ، بأوروبا - و التي يضم بعضها في عضوية هيئاتها البرلمانية ، أعضاء غير
مسيحيين ، من مسلمين ، و يهود ، و غير ذلك - أعداء للمجتمع المدني
.
و أحيانا ما يبتعد المناضلين
عن الخطاب الديني ، دون شرط معاداة الدين ، عندما تدخل الهيئات الدينية ، حليفة
للأنظمة الفاسدة القمعية ، كما كان الوضع في فرنسا ، قبل الثورة الفرنسية
.
علينا في مصر أن نتعرف على
ما يناسبنا ، و أعتقد أن الثورة الشعبية السلمية ، التي تملأ الشارع المصري ، هي
فقط ما يناسب ظروفنا الحالية ، فالطريق الإنتخابي مسدود ، و العمل
السياسي – الإجتماعي ، من خلال المنظمات غير الحكومية ، في قبضة سلطة غاشمة منغلقة
فكرياً ، و العصيان المدني ، حباله طويلة ، و لن يصمد طويلاً ، ذلك إننا نواجه سلطة
خبيثة ماكرة ، من السهل عليها أن تضرب الجبهة الوطنية ، و تبث المندسين ، الذين
أصبحوا في كل مكان . إننا نحتاج في مصر إلى علاج سلمي ، قوي ، هادر ، صاعق ، لا
يعطي فرصة لخصمنا ليستوعب الموقف ، و يمتصه ، ليبدأ في الضرب ، و أفضل طريق ، تنطبق
عليه الشروط السابقة ، هو الثورة الشعبية السلمية ، التي تستمر ، بلا أي إنقطاع ، و
بلا أي هدنة ، لمدة شهر ، أو شهرين ، يسقط فيها النظام
.
المناضل من أجل العدالة ، و
من ضمنها الحرية ، سيبقى ، فقط الوسائل تختلف ، و الخطاب يتنوع
.
أحمد محمد عبد
المنعم إبراهيم حسنين الحسنية
بوخارست –
رومانيا
حزب كل
مصر
تراث – ضمير –
حرية – رفاهية – تقدم – إستعيدوا مصر
28-02-2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق