الثلاثاء، 5 فبراير 2013

أمريكا على طريق روما ، طريق إلى حرب باردة ثانية

أمريكا على طريق روما ، طريق إلى حرب باردة ثانية

لا أعتقد أن هناك الكثير من الذين ينكرون وجود روابط بين الإعلام ، و السلطة ، في أي بلد ، بما في ذلك دول ما يسمى بالعالم الأول ، و على رأسها الولايات المتحدة ، و إن إختلفت طبيعة تلك الروابط ، و مدى متانتها ، بين دولة و أخرى .

فمن يتابع ما يخرج به رموز الإعلام الأمريكي ، سيجد توافقاً ، كبيراً ، بين مضمونه ، و الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية ، بخاصة الخارجية .

و لكن مع ملاحظة أن التوافق تختلف سرعة وتيرته ، فأحيانا ما يكون لاحق للسياسة الخارجية ، و أحيانا ما يكون سابق عليها ، أي تمهيد للسياسة الخارجية ، و هذا الأخير هو ما يجب أن يهمنا ، لأنه يدلنا على المستقبل .

لهذا فإن قراءة مسار السياسة الخارجية المستقبلية للولايات المتحدة ، بل و أي دولة ، و الخطوط العريضة لأهدافها ، من خلال قراءة ما يبثه الإعلام المرتبط بدوائر صنع القرار ، يعد قراءة علمية بحتة ، و ليس تخمين ، أو قراءة للفنجان .

ناشيونال جيوجرافيك ، أو جيوغرافيك ، تعد أحد تلك الرموز الإعلامية الأمريكية الهامة ، من حيث تأثيرها الجماهيري في الولايات المتحدة ، و خارجها ، سواء بمطبوعاتها ، أو ببثها التلفزيوني ، و لكنها للأسف لا تحظى بإهتمام كبير من المتابعين للشأن الأمريكي ، حيث إنها في رأيهم ثقافية ، و ليست سياسية ، غافلين عن أسلوب توظيف الثقافة لخدمة السياسة .

أهمية ناشيونال جيوجرافيك تكمن ، في إنها أحيانا ما توضح الخطوط السياسية العريضة جداً للسياسة الأمريكية ، و هي في ذلك تختلف عن قنوات التلفزيون الإخبارية ، و الصحف اليومية الكبرى هناك ، و المجلات الإسبوعية .

قبيل الإحتلال الأمريكي للعراق ، و بعده مباشرة ، أخذت ناشيونال جيوجرافيك على عاتقها ، مهمة الترويج للعناوين الهامة من فكر دوائر صنع السياسة الخارجية ، و التي سيطر عليها ، في عهد بوش الثاني ، المحافظين الجدد ، و الذي يقوم جزء منه على فكرة تأسيس إمبراطورية أمريكية ، تعتمد على التواجد العسكري ، و ليس بمجرد إعتماد سياسة النفوذ السياسي - الإقتصادي ، تلك السياسة التي إتبعتها العديد من الإدارات الأمريكية ، خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية .

الفكرة التي روجت لها ناشيونال جيوجرافيك ، هي أن الولايات المتحدة الأمريكية ، هي وريثة الدولة الرومانية ، في الفكر ، و الروح ، و المهام .

في التعامل مع تلك المقولة ، لم تخرج ناشيونال جيوجرافيك عن خطها المعهود ، فروجت للفكرة بإسلوبها الكلاسيكي المعتاد ، أو الرومانسي ، الذي يسعى للتسرب للعقول ، تسرب السم الهادئ ، من خلال الإفاضة في محاسن الدولة الرومانية ، و التي لا أنكر بعضها ، و لكن دون تخصيص نفس المساحة لذكر مساوئها ، وبيان نقائصها ، و هي كثيرة أيضاً ، ثم الشروع في إيجاد التشابه بين الولايات المتحدة ، و تلك الدولة البائدة ، بنفس الإسلوب الرومانسي الناشيونال جيوجرافكي .

إذا كانت الولايات المتحدة قررت إدارتها ، أن تصبح هي الإمبراطورية الرومانية القديمة ، و بخاصة في عصرها الأول ، عصر الفورة ، و الحماس ، عصر الجمهورية ، فإن ذلك يعني أن نعود لندرس طبيعة تلك الدولة ، و لا يغرنا أن هناك تعثر شهده هذا المشروع ، في أفغانستان ، و العراق ، فهذا التعثر يبدو أن الولايات المتحدة إستوعبته ، ولو إلى حين ، و ها هي الأن تعود لمشروعها الأمبراطوري الروماني ، بخطط الهجوم على إيران ، و طلب قواعد أمريكية في قلب أفريقيا ، و الأهم من هذا كله ، مشروع الدرع الصاروخي .

مشروع الدرع الصاروخي ، سيعني تأكيد هيمنة قطب واحد على العالم ، هيمنة ليست فقط سياسية ، و إقتصادية ، و ثقافية ، بل و أيضاً هيمنة عسكرية ، بنزع أنياب ، و مخالب ، كل الدول التي تعدها الإمبراطورية الأمريكية خارجة عليها .

المشروع قديم ، خرج به على العالم الرئيس الأمريكي الأسبق ريجان ، و قد أطلق عليه آنذاك اسم سينمائي ، هو : حرب الكواكب ، و لا يغفل عن متابع ، أن ريجان هو الرئيس الذي ينظر له بوش الإبن ، على إنه معلمه الروحي . إذا المشروع لم يمت ، إنما تم تجميده ، و ها هو يعود ، ليصبح أقرب للتحقيق ، بفضل التطور التقني الكبير ، الذي تحقق منذ نهاية عهد ريجان . و أعتقد إن المشروع ، سواء الصاروخي ، أو الإمبراطوري ، و الحقيقة إنه لا فاصل بينهما ، فهذا من أجل ذاك ، سوف يستكمل لو فاز ماكين بالرئاسة ، فهو من الحزب الجمهوري ، و له تاريخ عسكري طويل ، شخصي ، و عائلي ، و كان من الذين صوتوا من أجل غزو العراق ، و هو من القلة التي أيدت فكرة زيادة القوات الأمريكية هناك ، أي أن الحل العسكري لم يفارق عقله .

عودة للتاريخ ، و لنطل بنظرة فاحصة على طبيعة الدولة الرومانية ، أو روما ، في عصرها الأول ، عصر التأسيس ، عصر الجمهورية ، ذلك العصر الذي يعد المثال الذي يرسم السياسة الخارجية الأمريكية .

روما في عصر الجمهورية ، كانت تعتنق فكرة هجومية شرسة ، جعلتها تختلف عن كافة الدول ، و الإمبراطوريات ، المعاصرة لها ، فكرة إن العالم ، لا يحتمل أكثر من قوة واحدة ، إما روما ، و إما الأخرين . إنه الفكر الذي عبر عنه أحد القناصل الرومان بالقول : إما أن تهزم عدوك ، و إما أن تقبل مصير المهزومين .

فكرة اللا تعايش ، فكرة رفض إحترام الأخر ، فكرة إن المطلوب من الأخرين هو شيء واحد وحيد ، الخضوع .

هذه الفكرة هي التي تسيطر على الإدارة الأمريكية ، و الدوائر اليمينية المحافظة ، و الحزب الجمهوري .

لهذا سيكون من المنطقي أن يحدث التصادم ، مع الدول التي لا تقبل بذلك .

فكرة اللا تعايش الرومانية القديمة ، و ضرورة قبول العدو بمصير المهزومين المقهورين ، ستجر إلى صدام مع روسيا ، بدت معالمه ، و لاحقاً ستنضم الصين إلى الصراع ، حين تستكمل الصين نهضتها ، و تقضي على الفجوة التكنولوجية ، و حين تصبح الأسواق الأخرى ، للبضائع الصينية ، تدر عوائد مماثلة ، أو أكبر ، من العوائد التي يدرها السوق الأمريكي ، بما يجعلها تحتمل إغلاق السوق الأمريكي في وجهها .

الحرب الباردة ستتكرر ، فليست كل الدول سترضى بمصير المقهورين ، وهي ستظل حرب باردة ، و إن إختلفت بالطبع عن الحرب الباردة الأولى ، في أسبابها و تفاصيلها الدقيقة ، فهي أولاً لن ترتكز على التنافس بين نظريات سياسية - إقتصادية ، إنما بين قوى ، تريد واحدة منهن الهيمنة المطلقة ، مثلما أرادت روما الأولى ، و الأخريات ، تأبى عليهن كرامتهن ، القبول بمصير المقهورين ، و يريدن أن تظل رؤوسهن مساوية لرأس روما العصر .

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين الحسني

بوخارست - رومانيا

حزب كل مصر

تراث – ضمير – حرية – رفاهية – تقدم – إستعيدوا مصر

22-02-2008

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق