أمريكا على طريق روما ، طريق إلى حرب باردة
ثانية
لا أعتقد أن هناك الكثير من
الذين ينكرون وجود روابط بين الإعلام ، و السلطة ، في أي بلد ، بما في
ذلك دول ما يسمى بالعالم الأول ، و على رأسها الولايات المتحدة ، و إن إختلفت طبيعة
تلك الروابط ، و مدى متانتها ، بين دولة و أخرى .
فمن يتابع ما يخرج به رموز
الإعلام الأمريكي ، سيجد توافقاً ، كبيراً ، بين مضمونه ، و الخطوط العريضة للسياسة
الأمريكية ، بخاصة الخارجية .
و لكن مع ملاحظة أن التوافق
تختلف سرعة وتيرته ، فأحيانا ما يكون لاحق للسياسة الخارجية ، و أحيانا ما يكون
سابق عليها ، أي تمهيد للسياسة الخارجية ، و هذا الأخير هو ما يجب أن يهمنا ، لأنه
يدلنا على المستقبل .
لهذا فإن قراءة مسار السياسة
الخارجية المستقبلية للولايات المتحدة ، بل و أي دولة ، و الخطوط العريضة لأهدافها
، من خلال قراءة ما يبثه الإعلام المرتبط بدوائر صنع القرار ، يعد قراءة علمية بحتة
، و ليس تخمين ، أو قراءة للفنجان .
ناشيونال جيوجرافيك ، أو
جيوغرافيك ، تعد أحد تلك الرموز الإعلامية الأمريكية الهامة ، من حيث
تأثيرها الجماهيري في الولايات المتحدة ، و خارجها ، سواء بمطبوعاتها ، أو ببثها
التلفزيوني ، و لكنها للأسف لا تحظى بإهتمام كبير من المتابعين للشأن الأمريكي ،
حيث إنها في رأيهم ثقافية ، و ليست سياسية ، غافلين عن أسلوب توظيف الثقافة لخدمة
السياسة .
أهمية ناشيونال جيوجرافيك
تكمن ، في إنها أحيانا ما توضح الخطوط السياسية العريضة جداً للسياسة الأمريكية ، و
هي في ذلك تختلف عن قنوات التلفزيون الإخبارية ، و الصحف اليومية الكبرى هناك ، و
المجلات الإسبوعية .
قبيل الإحتلال الأمريكي
للعراق ، و بعده مباشرة ، أخذت ناشيونال جيوجرافيك على عاتقها ، مهمة الترويج
للعناوين الهامة من فكر دوائر صنع السياسة الخارجية ، و التي سيطر عليها ، في عهد
بوش الثاني ، المحافظين الجدد ، و الذي يقوم جزء منه على فكرة تأسيس إمبراطورية
أمريكية ، تعتمد على التواجد العسكري ، و ليس بمجرد إعتماد سياسة النفوذ السياسي -
الإقتصادي ، تلك السياسة التي إتبعتها العديد من الإدارات الأمريكية ، خلال فترة ما
بعد الحرب العالمية الثانية .
الفكرة التي روجت لها
ناشيونال جيوجرافيك ، هي أن الولايات المتحدة الأمريكية ، هي وريثة الدولة
الرومانية ، في الفكر ، و الروح ، و المهام .
في التعامل مع تلك المقولة ،
لم تخرج ناشيونال جيوجرافيك عن خطها المعهود ، فروجت للفكرة بإسلوبها الكلاسيكي
المعتاد ، أو الرومانسي ، الذي يسعى للتسرب للعقول ، تسرب السم الهادئ ، من خلال
الإفاضة في محاسن الدولة الرومانية ، و التي لا أنكر بعضها ، و لكن دون تخصيص نفس
المساحة لذكر مساوئها ، وبيان نقائصها ، و هي كثيرة أيضاً ، ثم الشروع في إيجاد
التشابه بين الولايات المتحدة ، و تلك الدولة البائدة ، بنفس الإسلوب الرومانسي
الناشيونال جيوجرافكي .
إذا كانت الولايات المتحدة
قررت إدارتها ، أن تصبح هي الإمبراطورية الرومانية القديمة ، و بخاصة في عصرها
الأول ، عصر الفورة ، و الحماس ، عصر الجمهورية ، فإن ذلك يعني أن نعود لندرس طبيعة
تلك الدولة ، و لا يغرنا أن هناك تعثر شهده هذا المشروع ، في أفغانستان ، و العراق
، فهذا التعثر يبدو أن الولايات المتحدة إستوعبته ، ولو إلى حين ، و ها هي الأن
تعود لمشروعها الأمبراطوري الروماني ، بخطط الهجوم على إيران ، و طلب قواعد أمريكية
في قلب أفريقيا ، و الأهم من هذا كله ، مشروع الدرع الصاروخي
.
مشروع الدرع الصاروخي ،
سيعني تأكيد هيمنة قطب واحد على العالم ، هيمنة ليست فقط سياسية ، و إقتصادية ، و
ثقافية ، بل و أيضاً هيمنة عسكرية ، بنزع أنياب ، و مخالب ، كل الدول التي تعدها
الإمبراطورية الأمريكية خارجة عليها .
المشروع قديم ، خرج به على
العالم الرئيس الأمريكي الأسبق ريجان ، و قد أطلق عليه آنذاك اسم سينمائي ، هو :
حرب الكواكب ، و لا يغفل عن متابع ، أن ريجان هو الرئيس الذي ينظر له بوش الإبن ،
على إنه معلمه الروحي . إذا المشروع لم يمت ، إنما تم تجميده ، و ها هو يعود ،
ليصبح أقرب للتحقيق ، بفضل التطور التقني الكبير ، الذي تحقق منذ نهاية عهد ريجان .
و أعتقد إن المشروع ، سواء الصاروخي ، أو الإمبراطوري ، و الحقيقة إنه لا فاصل
بينهما ، فهذا من أجل ذاك ، سوف يستكمل لو فاز ماكين بالرئاسة ، فهو
من الحزب الجمهوري ، و له تاريخ عسكري طويل ، شخصي ، و عائلي ، و كان من الذين
صوتوا من أجل غزو العراق ، و هو من القلة التي أيدت فكرة زيادة القوات الأمريكية
هناك ، أي أن الحل العسكري لم يفارق عقله .
عودة للتاريخ ، و لنطل بنظرة
فاحصة على طبيعة الدولة الرومانية ، أو روما ، في عصرها الأول ، عصر التأسيس ، عصر
الجمهورية ، ذلك العصر الذي يعد المثال الذي يرسم السياسة الخارجية الأمريكية
.
روما في عصر الجمهورية ،
كانت تعتنق فكرة هجومية شرسة ، جعلتها تختلف عن كافة الدول ، و الإمبراطوريات ،
المعاصرة لها ، فكرة إن العالم ، لا يحتمل أكثر من قوة واحدة ، إما روما ، و إما
الأخرين . إنه الفكر الذي عبر عنه أحد القناصل الرومان بالقول : إما
أن تهزم عدوك ، و إما أن تقبل مصير المهزومين .
فكرة اللا تعايش ، فكرة
رفض إحترام الأخر ، فكرة إن المطلوب من الأخرين هو شيء واحد وحيد ،
الخضوع .
هذه الفكرة هي التي تسيطر
على الإدارة الأمريكية ، و الدوائر اليمينية المحافظة ، و الحزب الجمهوري
.
لهذا سيكون من المنطقي أن
يحدث التصادم ، مع الدول التي لا تقبل بذلك .
فكرة اللا تعايش
الرومانية القديمة ، و ضرورة قبول العدو بمصير المهزومين المقهورين ، ستجر
إلى صدام مع روسيا ، بدت معالمه ، و لاحقاً ستنضم الصين إلى الصراع ، حين تستكمل
الصين نهضتها ، و تقضي على الفجوة التكنولوجية ، و حين تصبح الأسواق الأخرى ،
للبضائع الصينية ، تدر عوائد مماثلة ، أو أكبر ، من العوائد التي يدرها السوق
الأمريكي ، بما يجعلها تحتمل إغلاق السوق الأمريكي في وجهها
.
الحرب الباردة ستتكرر ،
فليست كل الدول سترضى بمصير المقهورين ، وهي ستظل حرب باردة ، و إن
إختلفت بالطبع عن الحرب الباردة الأولى ، في أسبابها و تفاصيلها الدقيقة ، فهي
أولاً لن ترتكز على التنافس بين نظريات سياسية - إقتصادية ، إنما بين قوى ، تريد
واحدة منهن الهيمنة المطلقة ، مثلما أرادت روما الأولى ، و الأخريات ، تأبى عليهن
كرامتهن ، القبول بمصير المقهورين ، و يريدن أن تظل رؤوسهن مساوية لرأس روما العصر
.
أحمد محمد عبد
المنعم إبراهيم حسنين الحسني
بوخارست -
رومانيا
حزب كل
مصر
تراث – ضمير –
حرية – رفاهية – تقدم – إستعيدوا مصر
22-02-2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق