مخاوفنا مبررة ،
فالحرية الإقتصادية ليست مطلقة
في شهر ديسمبر من العام
الماضي أتخمت الأجواء الإقتصادية في الإتحاد الأوروبي بصيحات الحرب التي إنطلقت على
صناديق الإستثمار السيادية المغلقة ، و هي الصناديق الإستثمارية المملوكة لدول
أو مجموعة أفراد ، كبعض الأسر الحاكمة ، و لا يمكن لأي جهة ، أفراد أو
هيئات ، الدخول فيها .
الخوف الأوروبي مبعثه هو
الخوف من السيطرة الأجنبية على الإقتصاد الأوروبي ، ذلك الخوف الذي كان باعثاً
لرئيس دولة مؤسسة للمجموعة الإقتصادية الأوروبية ثم للإتحاد الأوروبي للقول : إننا
لم نخصخص إقتصادنا لتؤممه دول أخرى . مثلما كان سبباً في قيام الحكومة الألمانية
الإتحادية بإجهاض صفقة كان تسعى بمقتضاها جهة مملوكة للحكومة الروسية لشراء حصة
كبيرة في شركة الإتصالات الألمانية ، دويتش تليكوم ، و كذلك يجب الإشارة إلى الجهود
التي كان من شأنها إحباط محاولة السيطرة على حصة لا يستهان بها من أسهم الشركة
المنتجة لطائرات الإيرباص .
الخوف لا ينتاب فقط الدول
الأوروبية الكبرى ، و لا هو منحصر في الدفاع عن الشركات الحيوية ، كشركات الإتصالات
و تصنيع الطائرات و المعدات الدفاعية ، بل إنه عم دول الإتحاد الأوروبي ، من أقصاه
إلى أقصاه .
لا شك إن لكل دولة ، أو
منظمة تضم مجموعة دول ، الحق في الدفاع عن إستقلاليتها الإقتصادية ، و مصالح شعوبها
الحيوية . و بالتالي الحق في إتخاذ كافة التدابير التي تراها لصيانة تلك الحقوق و
المصالح .
إذاً لا مجال لإنتقاد تلك
التصرفات ، و لا سبيل لإتهام دول الإتحاد الأوروبي بالشيفونية ، أو البارانويا
.
إنما تلك الموجة من الخوف من
تسلط الدول الأجنبية ، عبر صناديقها الإستثمارية المغلقة ، على إقتصاديات دول
الإتحاد الأوروبي ، و الذي يضم كل من ألمانيا و بريطانيا و فرنسا و إيطاليا و
أسبانيا ، و الذين تضمهم الأن قائمة الدول الإقتصادية العشر الكبرى في العالم ،
تجعل من مخاوفنا و التي أثرناها منذ مدة طويلة ، من سيطرة الأجانب على الإقتصاد
المصري ، لا سبيل لإنتقادها ، و لا مجال لإتهامها بالمبالغة ، و لا
يمكن إتهامنا باللعب على نغمات الخوف غير المبرر .
فأين إقتصادنا المصري الوطني
، الذي تهلهل ، من إقتصاد معظم دول الإتحاد الأوروبي ، و يدخل في تلك المقارنة
إقتصاد الإعضاء الجدد من دول الكتلة الشرقية ؟؟؟
أين إقتصادنا المصري من
إقتصاد دولة مثل بولندا ، على سبيل المثال ؟
هل نتحمل في مصر كأفراد ، و
تتحمل مصر كدولة ذات سيادة ، سيطرة أجنبية ، على الإقتصاد المصري ، بينما لا تستطيع
تحملها دولة صغيرة مثل المجر ؟
إن الشعارات التي يروج لها
إعلام الأسرة الحاكمة في مصر ، عن إقتصاد السوق الحر ، و التي تروج للحرية
الإقتصادية في التعامل بلا ضوابط وطنية ، ليس لها أساس صحيح ، و لا يمكن بالتالي أن
نبتلعها ، لنسكت عن بيع مصرنا .
الإتحاد الأوروبي قام في
الأصل كمجموعة إقتصادية من أجل مصالح الإقتصاد الحر ، و لازال من أنصار إقتصاد
السوق الحر ، و لكن ذلك لم يمنعه كمنظمة ، و يمنع دوله كأعضاء ، من
إطلاق صيحة الحرب من أجل التدخل ، عبر حزمة من التشريعات ، يسعى لإقرارها ، لحماية
أمنه و مصالحه ، فليست الحرية الإقتصادية كيان مقدس لا يجوز المساس به ، فمثلما لكل
حرية حدود ، فإن للحرية الإقتصادية حدود هي الأخرى .
لقد أصبحت مصر حالياً ملك
لأجانب ، و يدخل في تعريف الأجانب ، رجال الأعمال الخليجيين ، سواء من المنتمين
للأسرات الحاكمة بدول الجزيرة العربية ، أو من غير المنتمين ، فكل من هو ليس بمصري
، هو أجنبي ، و لا يجوز لنا ، كمصريين وطنيين ، أن نقبل تلك السيطرة
الخطيرة على إقتصاد مصر ، و بخاصة قطاعاته الحيوية ، مثل قطاع المصارف
، و قطاع الطاقة و التعدين ، و غير ذلك من القطاعات الحيوية ، خاصة أن عملية التملك
التي تتم ، تتم في معظم الأحوال عبر البيع لمستثمر رئيسي ، أو صناديق إستثمار
سيادية ، بما يعني السيطرة المطلقة على الوحدة الإقتصادية المباعة ، و خروجها من
سوق تداول الأسهم ، ذلك التداول الذي يتيح للمصريين كأفراد ، أو صناديق إستثمار ،
تملك حصة بها ، بما يفتح عملية تفتيت ملكيتها ، و يقضي بالتالي على فرصة السيطرة
الأجنبية المطلقة و الإحتكار ، و لو كان مصري
.
فعلينا ألا نغفل أيضا ،
مخاطر الإحتكار ، فليست كل المخاوف الإقتصادية ، مصدرها السيطرة الأجنبية فقط ،
فهناك خطر لا يقل عن ذلك ، و هو سيطرة قلة من رجال المال و الأعمال من
المصريين ، المعروفين للشعب المصري بالإسم ، من المرتبطين بالأسرة المصرية الحاكمة
حاليا ، و إن إختلف شكل الإرتباط ، على ما تبقى من الإقتصاد المصري
.
لقد أصبح إقتصاد مصر ، في
الوقت الراهن ، واقع بين فكين ، احداهما السيطرة الأجنبية المطلقة ، و الفك الأخر
رجال الإقطاع الجدد ، و ضاعت مصالح مصر كدولة مستقلة ذات سيادة ، و إنسحق الشعب
المصري كأفراد بين الفكين ، خاصة إن كل ذلك يتم في ظل نظام حكم مشبع بالفساد و
يفتقد للوطنية .
أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين
الحسنية
المنفى القسري : بوخارست –
رومانيا
حزب كل
مصر
تراث – ضمير –
حرية – رفاهية - تقدم – إستعيدوا مصر
07-01-2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق