أئمة المساجد
بالإنتخاب
إذا كان لا يوجد إختلاف لدى
دعاة الحرية في مصر ، على أهمية الإنتخابات المباشرة لإختيار المسئولين التنفيذيين
، و الأصوات لازالت تتردد – بين حين و أخر - بشأن المطالبة بعودة إنتخاب عمداء
الكليات و عمد القرى ، و تنقية عملية إنتخاب رئيس الدولة من القيود الموضوعة حالياً
، تلك القيود التي أحالت عملية إختيار الرئيس من إنتخابات إلى ما يشبه التعيين أو
الفرض ، فإن هناك منصب لا يقل أهمية عن عميد الكلية ، و عمدة القرية ، بل و رئيس
الجمهورية - خاصة في الظروف الحالية - إنه منصب إمام المسجد المحلي ، في أي قرية أو
حي من أحياء المدن المصرية .
فإذا كان عمدة القرية و عميد
الكلية و رئيس الجمهورية يتعامل كل منهم – على درجة مختلفة من التأثير - مع الجانب
العملي من حياة المواطن ، فإن إمام المسجد المحلي يتعامل مع الجانب العقائدي في
حياة المواطن ، و يملك من التأثير الكثير في تشكيل الرأي العام للمنطقة التي يخدمها
، مع الوضع في الإعتبار إختلاف درجة التأثير بعوامل كثيرة لا مجال للإسهاب فيها هنا
.
الفكرة و إن بدت جديدة إلا
إنها في جوهرها عودة للأصل القديم ، الذي عرفه المسلمون ، قبل أن تنشأ ظاهرة وزارة
الأوقاف ، و محاولات السلطة وضع يدها على المساجد ، و الرغبة السلطوية في التحكم في
فكر المواطنين و عقائدهم ، و التي وصلت في بعض البلدان إلى درجة فرض نص موحد لخطبة
الجمعة يتلى في كافة مساجد ، أو العمل على فرض مذهب معين
.
في الماضي – و قبل ظهور بدعة
وزارة الأوقاف - كان رواد كل مسجد هم الذين يختارون إمام مسجدهم ، و هم الذين كانوا
أيضاً يقيلونه في حال إستشراء عدم رضى سكان الناحية عنه ، و في مقابل تلك الحرية
كانوا هم أيضاً الذين كانوا يتكفلون براتبه ، و هذا النظام و إن بدا بدائي إلا إنه
الأقرب للفطرة السليمة ، و الديمقراطية الحديثة ، فلكل مجموعة الحق في أن تختار
إمامها ، الذي يتوافق مع حاجاتها و ميولها ، فمثلا لا يتكرر ما علمت به في أحد
مناطق جنوب مصر النائية حين أراد مواطن أن يسأل إمام المسجد الذي أرسلته السلطات
الرسمية في مسألة فقهية ، و لكنه – أي السائل- طلب – لدرجة الإصرار
الذي لا يلين – أن تكون الإجابة طبقا للمذهب المالكي ، و لكن الإمام - و القادم من
أحد قرى بحري – أوضح لسائله - بأمانة لا أنكرها - على إنه على علم فقط
بالمذهب الشافعي ، مع العلم أن المنطقة التي أٌرسل لها بمعرفة السلطات
الرسمية هي مالكية المذهب لدرجة التشدد . و حتى لا يتكرر سلوك إمام أحد المساجد ، و
الذي كان لا يكف عن التهجم على التصوف عموما ، و بعض الطرق الصوفية خصوصا ، و التي
كان يخصها بالإسم في هجومه ، بينما كان أغلب رواد ذلك المسجد من أعضاء تلك الطرق ،
أو إمام أحد المساجد التي كنت أرتادها في مصر و الذي كان لا يكف عن التهجم على
الإمام الكبير أبو حنيفة النعمان ، و كأنه كان له ثأر بائت مع الإمام أبو حنيفة أو
مع أحد متبعي المذهب الحنفي ، أو إمام لأحد المساجد و الذي تعنت في إعارة أحد رواد
المسجد كتاب في الفقه الشافعي من مكتبة المسجد لأنه – أي إمام المسجد - لا يميل
للمذهب الشافعي ، و بدأ في تقديم كتب بديلة لأحد المذاهب الأخرى ، و الحادثة حدثت
على مرأى مني ، فضلا عن أمثلة الأئمة الذين إما يروجون لخطاب السلطة السياسي و
الديني ، أو إنهم يروجون لأحد المذاهب المرتبط بدولة معينة ، أو أولئك الذين لا
يراهم أبناء منطقتهم إلا ظهر يوم الجمعة فقط ، بينما خدام المساجد هم الذين يقومون
بكل شيء بقية أيام الإسبوع ، و ما تبقى من يوم الجمعة .
عندما يعود إختيار إمام
المسجد ليد رواد المسجد ، فبالتأكيد لن تتكرر تلك النماذج ، فسوف يكون الإمام ابن
للجماعة التي إختارته ، عالم بطبائعها ، و قادر على أن يتواصل معها ، و يحقق لها
الأهداف التي ترجوها منه ، و حتى لو كان وافد على تلك الجماعة ، فإنه سيكون متوافق
مع إحتياجاتها ، فإستمراريته مرهونه بدرجة رضى الرأي العام المحلي عنه ، ذلك الرأي
الذي سيكون مرهون بدرجة توافقه مع رواد المسجد ، كما سيحمي الإختيار الشعبي لأئمة
المساجد ، الشعب المصري - بدرجة كبيرة - من جهود السلطات الرسمية - المصرية و غير
المصرية - للسيطرة على عقله و التلاعب بعقيدته ، و تحويل مساره لأتجاه مرسوم من قبل
السلطة ، أي سلطة ، فتركيز سلطة إختيار إئمة المساجد ، و التحكم في أرزاقهم ، في يد
وزارة الأوقاف ، بالشكل الحالي ، يسهل عملية إحكام السيطرة على عقيدة الشعب ، و
يسهل نشر أفكار معينة تم تخطيطها في الخارج ، تخدم أهداف سياسية و دينية لطرف خارجي
، فمن يسيطر حاليا على السلطة المصرية ، يسيطر على المساجد المصرية ، أما لو أصبح
إختيار إمام كل مسجد ، نعم كل مسجد في مصر ، بالإختيار الحر لرواد كل مسجد ، فإن
المهمة ستكون عسيرة جداً ، و الأموال التي ستنفق من جهات خارجية مهولة ، بما سيعيق
الجهود الحالية للسيطرة على عقيدة الشعب المصري ، و يسمح لكل جماعة محلية أن تحتفظ
بما تؤمن دون تدخل رسمي ، مصري أو خارجي ، كذلك فإن هذا الإقتراح سيعيد للمسجد دوره
الحيوي الذي كان يلعبه كبؤرة للنشاط الديني و الإجتماعي في حياة كل جماعة محلية
.
أما عن وسيلة تطبيق الفكرة ،
فحقيقة المجال لا يتسع في هذا المقال للخوض في كافة التفاصيل ، و لكن بإختصار –
أتمنى ألا يكون مخل – يمكن القيام بالخطوات التالية :
أولاً: تحديد
دائرة جغرافية لكل مسجد .
ثانيا : بناء على الدائرة
الجغرافية لكل مسجد ، يصبح من حق كل مسلم مقيم ، و كل مسلمة مقيمة ، في تلك الدائرة
، أن يسجل إسمه ، أو تسجل إسمها ، في كشوف المسجد ، و يكون الإعتماد على العنوان
المذكور في الأوراق الرسمية للفرد .
ثالثا : يتم فتح باب الترشيح
لإختيار مجلس إدارة للمسجد من بين المسجلين في الكشوف ، أي من بين القاطنين في
دائرة المسجد ، و يقوم مجلس الإدارة بمهامه لمدة ثلاث أعوام ، تقام بعدها إنتخابات
جديدة ، و سيكون من الضروري أن يقدم مجلس الإدارة كشف شهري ، أو ربع سنوي،
بأعماله و ميزانيته و ما إلى ذلك ، و يعلق هذا الكشف في لوحة الإعلانات خارج
المسجد ، و يفتح المجال لمناقشة الكشف في إجتماع عام بالمسجد يقام
مساء يوم العطلة الأسبوعية ، و بعد إسبوعين من نشر الكشف
.
رابعا : بعد إختيار مجلس
الإدارة ، يعلن المجلس عن طلب تعيين إمام للمسجد ، و يذكر في الإعلان الشروط
المطلوبة ، مثل متخصص في المذهب المالكي أو الحنفي أو الظاهري ، و ذكر شرح للوظيفة
، مثل : إقامة الصلوات الخمس ، و الجلوس للإفتاء حسب المذهب المطلوب
يومين في الإسبوع ، و إقامة حلقات لتحفيظ القرآن ، و إقامة صلاة التراويح في رمضان
، و ما ذكرت هو أمثلة ، فمسجد يخدم منطقة صوفية – على سبيل المثال - ربما يضيف مجلس
إدارته شرط الإنتماء لأحد الطرق ، أو يضيف شروط تتعلق بتلك الطريقة مثل إقامة حلقات
ذكر أو ما إلى ذلك .
خامسا : يحق للمسجلين في
كشوف رواد المسجد ، من الرجال و النساء ، التصويت على إستمرارية الإمام الذي إختاره
المجلس ، بعد مرور عام كامل منذ تسلم الإمام وظيفته ، حتى يكون بإمكان الأهالي
الحكم عليه بموضوعية ، و يعد التصويت لصالح الإمام ، بمثابة تكليف من الأهالي لمجلس
الإدارة لتجديد العقد لعام أخر ، و في حال طلب الإمام زيادة راتبه ،
فيجب أن يعلن عن قيمة الراتب الجديد ، قبل التصويت .
سادساً : مقابل
حرية الأهالي في إختيار إمام مسجدهم ، فإن عليهم إلتزام بمصاريف المسجد ، من صيانة
، و كذلك راتب الإمام ، و خادم المسجد – إن وجد خادم للمسجد – و أعضاء مجلس الإدارة
، إن كان عملهم ، أو عمل بعضهم ، غير تطوعي .
سابعاً : تنحصر مهمة وزارة
الأوقاف في تقديم معونة مادية لكل مسجد ، تلك المعونة يكون منبعها هو عائدات
الأوقاف ، و ليس ميزانية الدولة ، و يتم تحديد حجم تلك المعونة سنويا بمبلغ معين
لكل شخص ، و بالتالي يصبح حجم المعونة التي يتلقاها كل مسجد معروف ، لأنها محددة
حسب عدد الرواد المسجلين في كشوف كل مسجد ، و بالتالي ستكون هناك شفافية مطلقة ، و
نتيجة لذلك ستختلف درجة المعونة المادية المقدمة من مسجد لأخر ، فربما يحوز مسجد في
أحد القرى على مبلغ من المعونة المادية أكبر من أحد المساجد التي يرتادها رئيس
الدولة في المناسبات ، و يمكن الحكم على جدية الكشوف بسهولة لأنها مرتبطة بعنوان
السكن المسجل في الأوراق الرسمية للشخص ، كما يجب التأكد من تنقية الكشوف من أسماء
المتوفين ، و الذين غيروا محل سكنهم ، و إضافة الوافدين الجدد ، و كل شخص أتم
الثامنة عشرة أو الحادية و العشرين من العمر .
ثامناً : العودة لنظام
الأوقاف القديم ، فيحق أن يوقف أي فرد عائدات أي عقار أو أطيان أو إستثمارات مالية
، على مسجد معين ، على أن يصبح القائم بإدارة تلك الأوقاف الجديدة ، هو مجلس
الإدارة المنتخب لإدارة المسجد .
تاسعاً : الأزهر الشريف ، له
وضع خاص فهو مسجد ، و جامعة ، أو بالأحرى هيئة خاصة ، و لكن ذلك لن يخرجه عن الإطار
العام ، فشيخ الأزهر ، المعروف منصبه بالإمام الأكبر ، يجب أن يكون بالإنتخاب ، و
لكن من قبل هيئة كبار علماء الأزهر التي تنتخب بدورها بواسطة أعضاء هيئة تدريس
جامعة الأزهر بالكليات المتخصصة في شؤون الدين ، كذلك في عمداء الكليات و رئيس
جامعة الأزهر يجب أن يتم إختيارهم بالإنتخاب كذلك ، و سيحتفظ الأزهر في هذا النظام
المقترح بوضعه في تخريج المتخصصين في العلوم الدينية ، فالأزهر سيخرج المتخصصين ، و
الشعب هو الذي سيختار .
بالطبع فإن التفاصيل
المذكورة أعلاه لا تغطي كافة الحالات ، فالمجال – كما ذكرت عالية – لا يتسع لكافة
دقائق المشروع ، المهم ألا تضاف تفاصيل أخرى تقضي على جوهر الفكرة ، فالسلطة ما
أبرعها في تفريغ أي فكرة نبيلة من نبلها ، و خير مثال القواعد الموضوعة لإنتخاب
رئيس الجمهورية ، و على كل حال ، فإن هذه الفكرة لا يخامرني الشك أبدا في إستحالة
تطبيقها في ظل النظام الحالي ، إنها فكرة لعصر أخر ، تحتاج مواطن يتصف بصفات غير
الصفات السائدة الأن للأسف في أغلبية المواطنين المصريين ، و لكن هذه الفكرة هي في
برنامجنا و سيأتي وقت تطبيقها ، فهي تطبيق عملي لأحد أوجه الشورى ، الشورى التي يعد
الأخذ بها أحد صفات المؤمنين ، كما جاء في سورة الشورى ، الآية 38 ، كذلك فإن هذا
المشروع عودة بالمسجد لدوره في المجتمع المحلي الصغير ، و إبتعادا بالمسجد عن
الوقوع في يد السلطة ، و تخفيف للعبء المادي الحالي الملقى على ميزانية الدولة
للسيطرة على المساجد .
إنه عودة للوضع الأول ، حين
كان للفرد العادي - من أمثالنا - كلمته في إختيار إمام مسجده ، و لكن بإسلوب عصري
.
أحمد محمد عبد
المنعم إبراهيم حسنين الحسنية
بوخارست -
رومانيا
حزب كل
مصر
تراث – ضمير –
حرية – رفاهية – تقدم – إستعيدوا مصر
23-05-2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق