الثلاثاء، 5 فبراير 2013

الساركوزية هي أقرب للبونابرتية و ليست بأي حال ديجولية

الساركوزية هي أقرب للبونابرتية و ليست بأي حال ديجولية

منذ قرابة العام رحبت بما ذكره الرئيس الفرنسي الحالي ساركوزي ، في خطاب تنصيبه ، عن إمكانية إنشاء إتحاد للمتوسط ، و هذا الترحيب كان مرجعه ، إيماني - و الذي لازال قائماً – بأن مصر ، مثلها مثل كل دول العالم ، دولة متعددة الإنتماءات أو الهويات ، فهي عربية ، مثلما هي أفريقية ، مثلما هي بحر متوسطية ، إلى أخر القائمة الكبيرة من الإنتماءات الكبيرة و الصغيرة ، فكل إنتماء كبير من الممكن تقسيمه إلى إنتماءات أصغر ، فالأفريقية من الممكن أن تنقسم إلى إنتماء جغرافي محدد في أفريقيا ، كالإنتماء لمنطقة شرق و شمال شرق أفريقيا ، أو منطقة الشمال الأفريقي ، أو دول حوض النيل .

إيماني في البحر متوسطية ، كأحد إنتماءات مصر ، إذاً لم يتزعزع ، لأنه مبني على حقيقة جغرافية – تاريخية ، فمن هو الذي يستطيع محو التاريخ المصري ، أو التلاعب في جغرافية مصر ؟

و للعلم فإن كل من يعتقد بأن البحر متوسطية ، كفكرة للتعاون السياسي و الثقافي و الإقتصادي ، بين دول حوض المتوسط ، هي إكتشاف جديد ، أو من بنات أفكار الرئيس الفرنسي الحالي ، هو مخطىء ، لأن التعاون المتوسطي ، كفكرة ، أقدم بكثير من ساركوزي ، و أبسط الأدلة و أوضحها ، هي دورة الألعاب البحر متوسطية ، و التي أقيمت لأول مرة بمدينة الأسكندرية ، في مصر ، فضلاً عن كتابات الكثير من المفكرين المتوسطيين .

إيماني الذي تغير ، هو في قدرة ساركوزي على إعادة الإهتمام بالفكرة القديمة ، فكرة جامعة متوسطية ، أو إتحاد للمتوسط ، فليس كل من يطلق دعوة ، يعني إنه قادر على تحقيقها على أرض الواقع ، بل حتى لو سعى لتحقيقها ، فإن من الضرورة التمعن في الأهداف التي يرمي لها من وراء الفكرة .

الأهداف التي من أجلها إيدت دعوة إقامة إتحاد للمتوسط ، عبرت عنها في مقال كتبته بعد فترة قصيرة من خطاب النصر الإنتخابي لساركوزي ، تلك الأهداف التي تتمثل في إتحاد يعمل من أجل مصلحة الشعوب ، بالعمل على تحرير التجارة ، و التنسيق السياسي ، دون الإخلال بسيادة الأعضاء ، و تحرير حرية الأفراد في التنقل ، مع الدعم الفوري للتعليم و الثقافة و الفنون ، و البحث العلمي .

و لكن الأهداف التي تمنيتها ، و التي مازلت على أملي في تحقيقها ، وجدت - و بعد مضي عام تقريبا ، على إنطلاق دعوة ساركوزي الأولى لإتحاد المتوسط - إنها ليست تماماً هي نفس الأهداف التي من أجلها أطلق ساركوزي دعوته ، ناهيك عن ضعف جدية الرئيس الفرنسي للسير قدماً في تحقيق فكرته .

ساركوزي كما هو واضح ، من تصريحاته خلال العام الذي مضى ، يستخدم البحر متوسطية ، لتخدير شعوب جنوب المتوسط ، بإطلاق تصريحاته مع كل زيارة لدول جنوب المتوسط ، تلك التصريحات التي إتضح إنه بالفعل لا يؤمن بها ، أو على الأقل يدرك إستحالة تحقيقها في الظروف الحالية ، خاصة مع الإعتراضات التي بدت من بعض الأطراف الأوروبية ، و التي و إن كانت غير متوسطية ، إلا إنها لها كلمتها في هذا الشأن بحكم عضويتها ، و عضوية فرنسا ، في الإتحاد الأوروبي ، تلك العضوية التي تضع قيوداً على فرنسا لو أرادت السير في أي مسار خارجي تراه بعض الدول الأوروبية إنه يتناقض مع مصلحة دول الإتحاد الأوروبي ، و أول تلك الإعتراضات بالطبع ترتكز على الرفض المطلق لفكرة حرية تنقل الأفراد .

فالذي طمحت فيه هو إتحاد شعوب المتوسط ، لا إتحاد قيادات سياسية ، فبدون الحرية المطلقة لتنقل الأفراد ، تماما مثل حرية تنقل البضائع و الأموال ، فإن الإتحاد يغدو إتحاد إتفاقيات سياسية ، لا إتحاد شعوب و أفراد .

كذلك فإنه بات من الجلي أن ساركوزي يريد إستخدام فكرة إتحاد المتوسط - على الرغم من صعوبة تحقيقها - من أجل بناء مناطق نفوذ فرنسية جنوب المتوسط ، فإذا كانت أحد دويلات الخليج قد فتحت بالفعل بابها - بالرحب و السعة - لقاعدة فرنسية بها ، و في تشاد عززت الساركوزية مكانتها في فبراير الماضي ، فإنه يعلم أن الأمر جنوب المتوسط يختلف ، و ذلك للتراث الفرنسي القديم ، و الوعي الوطني المستيقظ و الحساس الذي لا يتوافر بقوة في دول الخليج ، لهذا فكان أن قرر أن تصبح فكرة الإتحاد مدخل لتحقيق تلك المخططات .

ساركوزي يريد توظيف فكرة نبيلة ، لتحقيق أغراض دنيئة يعلم بأنها لا تلقى قبول شعوب جنوب المتوسط .

ساركوزي ليس شارل ديجول القرن الواحد و العشرين ، فالساركوزية و إن إرتدت معطف الديجولية إلا إن تحت المعطف بونابرت ، فالساركوزية هي أقرب للبونابرتية و ليست بأي حال ديجولية .

إنها – أي الساركوزية – تريد عودة الإحتلال لا تحرير الشعوب .

إتحاد المتوسط سوف يكون بالإمكان تحقيقه ، لا أشك في ذلك ، ليس على يد ساركوزي ، و إنما على يد شعوب جنوب المتوسط ، عندما تستطيع تلك الشعوب أن تزيل الهوة الإقتصادية التي تفصل ما بين شمال المتوسط و جنوبه ، و يصبح مستوى التعليم مماثل لشمال المتوسط ، و لكن عندها سنفكر ، هل فعلاً نحن مازلنا في إحتياج لذلك الإتحاد ، فالطرف الذي رفضنا اليوم ، لا يجب أن نقبله نحن بسهولة غداً ، فأوروبا عليها أن تتغير أيضا .

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين الحسنية

بوخارست – رومانيا

حزب كل مصر

تراث – ضمير – حرية – رفاهية – تقدم – إستعيدوا مصر

20-05-2008

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق