الساركوزية هي أقرب للبونابرتية و ليست بأي
حال ديجولية
منذ قرابة العام رحبت بما
ذكره الرئيس الفرنسي الحالي ساركوزي ، في خطاب تنصيبه ، عن إمكانية إنشاء إتحاد
للمتوسط ، و هذا الترحيب كان مرجعه ، إيماني - و الذي لازال قائماً – بأن مصر ،
مثلها مثل كل دول العالم ، دولة متعددة الإنتماءات أو الهويات ، فهي عربية ، مثلما
هي أفريقية ، مثلما هي بحر متوسطية ، إلى أخر القائمة الكبيرة من الإنتماءات
الكبيرة و الصغيرة ، فكل إنتماء كبير من الممكن تقسيمه إلى إنتماءات أصغر ،
فالأفريقية من الممكن أن تنقسم إلى إنتماء جغرافي محدد في أفريقيا ، كالإنتماء
لمنطقة شرق و شمال شرق أفريقيا ، أو منطقة الشمال الأفريقي ، أو دول حوض النيل
.
إيماني في البحر متوسطية ،
كأحد إنتماءات مصر ، إذاً لم يتزعزع ، لأنه مبني على حقيقة جغرافية – تاريخية ، فمن
هو الذي يستطيع محو التاريخ المصري ، أو التلاعب في جغرافية مصر
؟
و للعلم فإن كل من يعتقد بأن
البحر متوسطية ، كفكرة للتعاون السياسي و الثقافي و الإقتصادي ، بين دول حوض
المتوسط ، هي إكتشاف جديد ، أو من بنات أفكار الرئيس الفرنسي الحالي ، هو مخطىء ،
لأن التعاون المتوسطي ، كفكرة ، أقدم بكثير من ساركوزي ، و أبسط الأدلة و أوضحها ،
هي دورة الألعاب البحر متوسطية ، و التي أقيمت لأول مرة بمدينة الأسكندرية ، في مصر
، فضلاً عن كتابات الكثير من المفكرين المتوسطيين .
إيماني الذي تغير ، هو في
قدرة ساركوزي على إعادة الإهتمام بالفكرة القديمة ، فكرة جامعة متوسطية ، أو إتحاد
للمتوسط ، فليس كل من يطلق دعوة ، يعني إنه قادر على تحقيقها على أرض الواقع ، بل
حتى لو سعى لتحقيقها ، فإن من الضرورة التمعن في الأهداف التي يرمي لها من وراء
الفكرة .
الأهداف التي من أجلها إيدت
دعوة إقامة إتحاد للمتوسط ، عبرت عنها في مقال كتبته بعد فترة قصيرة من خطاب النصر
الإنتخابي لساركوزي ، تلك الأهداف التي تتمثل في إتحاد يعمل من أجل مصلحة الشعوب ،
بالعمل على تحرير التجارة ، و التنسيق السياسي ، دون الإخلال بسيادة الأعضاء ، و
تحرير حرية الأفراد في التنقل ، مع الدعم الفوري للتعليم و الثقافة و
الفنون ، و البحث العلمي .
و لكن الأهداف التي تمنيتها
، و التي مازلت على أملي في تحقيقها ، وجدت - و بعد مضي عام تقريبا ، على إنطلاق
دعوة ساركوزي الأولى لإتحاد المتوسط - إنها ليست تماماً هي نفس الأهداف التي من
أجلها أطلق ساركوزي دعوته ، ناهيك عن ضعف جدية الرئيس الفرنسي للسير قدماً في تحقيق
فكرته .
ساركوزي كما هو واضح ، من
تصريحاته خلال العام الذي مضى ، يستخدم البحر متوسطية ، لتخدير شعوب جنوب المتوسط ،
بإطلاق تصريحاته مع كل زيارة لدول جنوب المتوسط ، تلك التصريحات التي إتضح إنه
بالفعل لا يؤمن بها ، أو على الأقل يدرك إستحالة تحقيقها في الظروف الحالية ، خاصة
مع الإعتراضات التي بدت من بعض الأطراف الأوروبية ، و التي و إن كانت غير متوسطية ،
إلا إنها لها كلمتها في هذا الشأن بحكم عضويتها ، و عضوية فرنسا ، في الإتحاد
الأوروبي ، تلك العضوية التي تضع قيوداً على فرنسا لو أرادت السير في أي مسار خارجي
تراه بعض الدول الأوروبية إنه يتناقض مع مصلحة دول الإتحاد الأوروبي ، و أول تلك
الإعتراضات بالطبع ترتكز على الرفض المطلق لفكرة حرية تنقل الأفراد
.
فالذي طمحت فيه هو إتحاد
شعوب المتوسط ، لا إتحاد قيادات سياسية ، فبدون الحرية المطلقة لتنقل الأفراد ،
تماما مثل حرية تنقل البضائع و الأموال ، فإن الإتحاد يغدو إتحاد إتفاقيات سياسية ،
لا إتحاد شعوب و أفراد .
كذلك فإنه بات من الجلي أن
ساركوزي يريد إستخدام فكرة إتحاد المتوسط - على الرغم من صعوبة تحقيقها - من أجل
بناء مناطق نفوذ فرنسية جنوب المتوسط ، فإذا كانت أحد دويلات الخليج قد فتحت بالفعل
بابها - بالرحب و السعة - لقاعدة فرنسية بها ، و في تشاد عززت الساركوزية مكانتها
في فبراير الماضي ، فإنه يعلم أن الأمر جنوب المتوسط يختلف ، و ذلك للتراث الفرنسي
القديم ، و الوعي الوطني المستيقظ و الحساس الذي لا يتوافر بقوة في دول الخليج ،
لهذا فكان أن قرر أن تصبح فكرة الإتحاد مدخل لتحقيق تلك المخططات
.
ساركوزي يريد توظيف فكرة
نبيلة ، لتحقيق أغراض دنيئة يعلم بأنها لا تلقى قبول شعوب جنوب المتوسط
.
ساركوزي ليس شارل ديجول
القرن الواحد و العشرين ، فالساركوزية و إن إرتدت معطف الديجولية إلا إن تحت المعطف
بونابرت ، فالساركوزية هي أقرب للبونابرتية و ليست بأي حال ديجولية
.
إنها – أي الساركوزية – تريد
عودة الإحتلال لا تحرير الشعوب .
إتحاد المتوسط سوف يكون
بالإمكان تحقيقه ، لا أشك في ذلك ، ليس على يد ساركوزي ، و إنما على يد شعوب جنوب
المتوسط ، عندما تستطيع تلك الشعوب أن تزيل الهوة الإقتصادية التي تفصل ما بين شمال
المتوسط و جنوبه ، و يصبح مستوى التعليم مماثل لشمال المتوسط ، و لكن عندها سنفكر ،
هل فعلاً نحن مازلنا في إحتياج لذلك الإتحاد ، فالطرف الذي رفضنا اليوم ، لا يجب أن
نقبله نحن بسهولة غداً ، فأوروبا عليها أن تتغير أيضا .
أحمد محمد عبد
المنعم إبراهيم حسنين الحسنية
بوخارست –
رومانيا
حزب كل مصر
تراث – ضمير –
حرية – رفاهية – تقدم – إستعيدوا مصر
20-05-2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق