علينا ألا ننغلق
، علينا ألا نكرر خطأنا زمن الإمبراطورية الرومانية
رحبت من قبل ، في مقال سابق
بعنوان : إتحاد المتوسط حلم يمكن أن نبدأ فيه ، بالإشارة التي أطلقها الرئيس
الفرنسي الحالي ، في خطاب إنتصاره الإنتخابي ، لإمكانية إنشاء إتحاد يضم دول البحر
المتوسط ، و ذلك الترحيب مبني على قناعتي بمبدأ الإنتماء المصري المتعدد ، و الذي
لا يقف على الإنتماء العربي فقط ، كما يتصور ، أو يصور ، البعض ، و إيماني كذلك بأن
أي إنتماء لمصر ، لا يجب أن يلغي الإنتماءات الأخرى ، أو أن يطغى عليها ،
و منها الإنتماء المتوسطي ، الذي أهمل كثيراً في العقود الأخيرة
.
من قبل كان البحر المتوسط ،
بحر الحضارة ، حلقة إتصال وثقت بين الشعوب القاطنة على ضفافه ، و منحت تلك الشعوب
طابع معين ، لازال يلمس إلى اليوم . و لعل مدينة الأسكندرية ، بتاريخها العريق ، هي
أفضل دليل على هذا الإنتماء ، من حيث الوجود و الأهمية و القدم ، فهي لم تبن إلا من
أجل الإنتماء البحر متوسطي ، و لم تزدهر إلا به .
هذه الأيام عادت إمكانية
تفعيل فكرة التعاون المتوسطي ، لتصل لأرض الواقع ، فالإشارات لم تعد تأت فقط من
مفكرين و إعلاميين ، بل من رجال الحكم و السياسة ، أي من بيدهم الإمساك بالأفكار ،
و تحويلها إلى واقع .
الإشارات لحلم التعاون
العميق و الراسخ بين ضفتي المتوسط ، الشمالية و الجنوبية ، لم تعد تأت
فقط من الإدارة الفرنسية الحالية ، فالخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية
البريطاني الحالي مليباند ، في شهر نوفمبر 2007 ، في المدرسة الأوروبية ، في مدينة
بروج البلجيكية ، يعد إشارة أكبر بكثير ، من فكرة إتحاد للمتوسط ، إنه إشارة لتحويل
الإتحاد الأوروبي الحالي إلى شكل أكبر نطاق ، يضم كافة دول أوروبا ، بما فيها روسيا
، مع دول الشرق الأوسط ، و شمال أفريقيا .
الأفكار التي رددها مليباند
أشبه ما تكون بفكرة إحياء الإمبراطورية الرومانية ، بشكل أكبر حجماً ، و أكثر حداثة
، و أكثر قبولاً لنا ، نحن من عانينا من ظلم تلك الإمبراطورية ، لأن الإتحاد الذي
أشار إلية سيكون مبنياً على أسس العدالة ، من ديمقراطية و حرية و شفافية إقتصادية ،
و هدفه الأول هو الرفاهية ، و لن يمثل بالتأكيد قوة إحتلال ، لأن كافة الدول
الأعضاء ستكون على قدم المساواة .
و إن كنت أعيب على مليباند
تشديده على فكرة عدم تحويل ذلك الإتحاد ، و الذي سيضم كل أوروبا ، مع الشرق الأوسط
، و شمال أفريقيا ، إلى قوة عظمى ، و تشديده على أن القوة العظمى الوحيدة في العالم
اليوم هي الولايات المتحدة ، و ذلك لقناعتي بأن الإتحاد الأوروبي المتوسطي الشرق
أوسطي ، يجب أن يتحول إلى قوة عظمى ، تستطيع أن توازن الميزان المختل حالياً ، و أن
تحمي مصالحها الإقتصادية ، فلا يكون رهينة لإرادة الولايات المتحدة ، و التي تعمل
من أجل مصالحها فقط ، و تضحي ، بضيق أفق ، بمصالح أقرب أصدقاءها ، إن كان في ذلك
مصلحتها الآنية .
الحلم لا أعتقد بأن كافة
الأحياء اليوم سوف يرونه يتحقق في حياتهم ، فحلم الإتحاد الأوروبي ، بدأ في خطواته
العملية منذ أكثر من نصف قرن ، و لم يكتمل لليوم ، ليصل لما نادى به مفكرين و
مؤرخين ، مثل إدوارد جيبون ، و الذي عاش في القرن الثامن عشر ، من قيام ولايات
متحدة أوروبية .
فعلينا ، كمصريين ، أن نعترف
بأن مصر اليوم ، لا تماثل ألمانيا أو فرنسا ، منذ نصف قرن ، فمصر تمر في هذا العهد
بأسوء حال ، و وضعنا يماثل ما كان عليه حال مصر في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي
، بعد ثلاثة قرون من الحكم العثماني ، أو أسوء.
أمامنا معارك طاحنة ضد
الطغيان الحالي ، و الفساد المستحكم ، و الفقر المدقع ، و الأمية المستفحلة ، و
الإنغلاق الفكري ، فمن المستحيل أن نفكر ، أو حتى أن نشطح في الحلم ،
لنعتقد بأن فكرة إتحاد أوروبي متوسطي شرق أوسطي ، قابلة للتحقيق في ظل ظروفنا
المزرية الحالية .
و أول معاركنا هي معركة
العقول ، علينا ترسيخ فكر التغيير ، و فكر الإنفتاح على الأخر ، و عدم الخوف من
الإتصال و الإحتكاك .
علينا ألا نكرر ، في مصر ،
الخطأ الذي إرتكبناه أيام الأمبراطورية الرومانية ، حين إنغلقنا على أنفسنا ،
فكرياً و مادياً ، بينما إنفتح الأخرون ، و الذين أدركوا تغير العالم من حولهم ، و
إستفادوا من ذلك التغير .
في عصر الإمبراطورية
الرومانية لم يصل أي مصري إلى منصب إمبراطور ، بينما وصل ليبيون ، و أسبان ، و عربي
، و أشخاص من أجناس شتى ، إلى سدة الحكم ، فكان أن دفعنا ثمن إنغلاقنا
، فقر و إضطهاد .
و هو خطأ تكرر ، بشكل يكاد
يكون متطابق ، زمن الإمبراطورية العثمانية ، حين إنطلقت شعوب أخرى ، ضمتهم
الإمبراطورية العثمانية ، تتاجر ، و تنطلق لتحتك بالأخرين ، وتراكم الثروات ، و
تحتل المناصب الرفيعة ، بينما تقوقعنا نحن .
إنني أكرر ، بل و أشدد ، على
إن دعوتي لمناصرة فكرة التعاون المتوسطي الأوروبي - و هي للعلم ليست بالافكار
الجديدة ، تشهد على ذلك دورة الألعاب الرياضية البحر المتوسطية ، و الأفكار التي
نادى بها مفكرون مصريون من قبل - لا تعني أبداً الحرب على أي إنتماء أخر لمصر ،
إنما أشدد على إن مصر متعددة الإنتماءات ، عربية ، و متوسطية ، و أفريقية ، و غير
ذلك ، و أن مصلحة شعب مصر ، هي التي تحدد خطوات تحركنا ، و عالم اليوم لم يعد يلغي
مبدأ التعاون المتعدد . و إذا كان التعاون العربي اليوم مشلول ، في ظل حالة التشرذم
التي لا تخفى على أحد ، و الإتحاد الأفريقي تراجعت سرعة وتيرته ، بعد الزخم الذي
شهده منذ بضع سنوات ، فلا بأس من أن نعمل على إعادة فتح باب أخر للتعاون ، باب قديم
، ظل مغلقاً و محرماً علينا لفترة طويلة ، باب البحر المتوسط
.
و في كل الأحوال ، فإن كل
الخطوات التي سنسير فيها من أجل تحقيق التعاون الأوروبي المتوسطي ، ستصب في مصلحتنا
، فسواء تحقق حلم إتحاد المتوسط ، أو الإتحاد الأوروبي المتوسطي الشرق أوسطي ، أو
لم يتحقق ، فإن الحرب ضد الطغيان و الفساد و الإحتكار و الفقر و الأمية و الإنغلاق
الفكري ، لا تضر أبداً .
أحمد محمد عبد
المنعم إبراهيم حسنين الحسنية
بوخارست –
رومانيا
حزب كل
مصر
تراث – ضمير –
حرية – رفاهية – تقدم – إستعيدوا مصر
03-02-2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق