الثلاثاء، 5 فبراير 2013

علينا ألا ننغلق ، علينا ألا نكرر خطأنا زمن الإمبراطورية الرومانية

علينا ألا ننغلق ، علينا ألا نكرر خطأنا زمن الإمبراطورية الرومانية

رحبت من قبل ، في مقال سابق بعنوان : إتحاد المتوسط حلم يمكن أن نبدأ فيه ، بالإشارة التي أطلقها الرئيس الفرنسي الحالي ، في خطاب إنتصاره الإنتخابي ، لإمكانية إنشاء إتحاد يضم دول البحر المتوسط ، و ذلك الترحيب مبني على قناعتي بمبدأ الإنتماء المصري المتعدد ، و الذي لا يقف على الإنتماء العربي فقط ، كما يتصور ، أو يصور ، البعض ، و إيماني كذلك بأن أي إنتماء لمصر ، لا يجب أن يلغي الإنتماءات الأخرى ، أو أن يطغى عليها ، و منها الإنتماء المتوسطي ، الذي أهمل كثيراً في العقود الأخيرة .

من قبل كان البحر المتوسط ، بحر الحضارة ، حلقة إتصال وثقت بين الشعوب القاطنة على ضفافه ، و منحت تلك الشعوب طابع معين ، لازال يلمس إلى اليوم . و لعل مدينة الأسكندرية ، بتاريخها العريق ، هي أفضل دليل على هذا الإنتماء ، من حيث الوجود و الأهمية و القدم ، فهي لم تبن إلا من أجل الإنتماء البحر متوسطي ، و لم تزدهر إلا به .

هذه الأيام عادت إمكانية تفعيل فكرة التعاون المتوسطي ، لتصل لأرض الواقع ، فالإشارات لم تعد تأت فقط من مفكرين و إعلاميين ، بل من رجال الحكم و السياسة ، أي من بيدهم الإمساك بالأفكار ، و تحويلها إلى واقع .

الإشارات لحلم التعاون العميق و الراسخ بين ضفتي المتوسط ، الشمالية و الجنوبية ، لم تعد تأت فقط من الإدارة الفرنسية الحالية ، فالخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية البريطاني الحالي مليباند ، في شهر نوفمبر 2007 ، في المدرسة الأوروبية ، في مدينة بروج البلجيكية ، يعد إشارة أكبر بكثير ، من فكرة إتحاد للمتوسط ، إنه إشارة لتحويل الإتحاد الأوروبي الحالي إلى شكل أكبر نطاق ، يضم كافة دول أوروبا ، بما فيها روسيا ، مع دول الشرق الأوسط ، و شمال أفريقيا .

الأفكار التي رددها مليباند أشبه ما تكون بفكرة إحياء الإمبراطورية الرومانية ، بشكل أكبر حجماً ، و أكثر حداثة ، و أكثر قبولاً لنا ، نحن من عانينا من ظلم تلك الإمبراطورية ، لأن الإتحاد الذي أشار إلية سيكون مبنياً على أسس العدالة ، من ديمقراطية و حرية و شفافية إقتصادية ، و هدفه الأول هو الرفاهية ، و لن يمثل بالتأكيد قوة إحتلال ، لأن كافة الدول الأعضاء ستكون على قدم المساواة .

و إن كنت أعيب على مليباند تشديده على فكرة عدم تحويل ذلك الإتحاد ، و الذي سيضم كل أوروبا ، مع الشرق الأوسط ، و شمال أفريقيا ، إلى قوة عظمى ، و تشديده على أن القوة العظمى الوحيدة في العالم اليوم هي الولايات المتحدة ، و ذلك لقناعتي بأن الإتحاد الأوروبي المتوسطي الشرق أوسطي ، يجب أن يتحول إلى قوة عظمى ، تستطيع أن توازن الميزان المختل حالياً ، و أن تحمي مصالحها الإقتصادية ، فلا يكون رهينة لإرادة الولايات المتحدة ، و التي تعمل من أجل مصالحها فقط ، و تضحي ، بضيق أفق ، بمصالح أقرب أصدقاءها ، إن كان في ذلك مصلحتها الآنية .

الحلم لا أعتقد بأن كافة الأحياء اليوم سوف يرونه يتحقق في حياتهم ، فحلم الإتحاد الأوروبي ، بدأ في خطواته العملية منذ أكثر من نصف قرن ، و لم يكتمل لليوم ، ليصل لما نادى به مفكرين و مؤرخين ، مثل إدوارد جيبون ، و الذي عاش في القرن الثامن عشر ، من قيام ولايات متحدة أوروبية .

فعلينا ، كمصريين ، أن نعترف بأن مصر اليوم ، لا تماثل ألمانيا أو فرنسا ، منذ نصف قرن ، فمصر تمر في هذا العهد بأسوء حال ، و وضعنا يماثل ما كان عليه حال مصر في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي ، بعد ثلاثة قرون من الحكم العثماني ، أو أسوء.

أمامنا معارك طاحنة ضد الطغيان الحالي ، و الفساد المستحكم ، و الفقر المدقع ، و الأمية المستفحلة ، و الإنغلاق الفكري ، فمن المستحيل أن نفكر ، أو حتى أن نشطح في الحلم ، لنعتقد بأن فكرة إتحاد أوروبي متوسطي شرق أوسطي ، قابلة للتحقيق في ظل ظروفنا المزرية الحالية .

و أول معاركنا هي معركة العقول ، علينا ترسيخ فكر التغيير ، و فكر الإنفتاح على الأخر ، و عدم الخوف من الإتصال و الإحتكاك .

علينا ألا نكرر ، في مصر ، الخطأ الذي إرتكبناه أيام الأمبراطورية الرومانية ، حين إنغلقنا على أنفسنا ، فكرياً و مادياً ، بينما إنفتح الأخرون ، و الذين أدركوا تغير العالم من حولهم ، و إستفادوا من ذلك التغير .

في عصر الإمبراطورية الرومانية لم يصل أي مصري إلى منصب إمبراطور ، بينما وصل ليبيون ، و أسبان ، و عربي ، و أشخاص من أجناس شتى ، إلى سدة الحكم ، فكان أن دفعنا ثمن إنغلاقنا ، فقر و إضطهاد .

و هو خطأ تكرر ، بشكل يكاد يكون متطابق ، زمن الإمبراطورية العثمانية ، حين إنطلقت شعوب أخرى ، ضمتهم الإمبراطورية العثمانية ، تتاجر ، و تنطلق لتحتك بالأخرين ، وتراكم الثروات ، و تحتل المناصب الرفيعة ، بينما تقوقعنا نحن .

إنني أكرر ، بل و أشدد ، على إن دعوتي لمناصرة فكرة التعاون المتوسطي الأوروبي - و هي للعلم ليست بالافكار الجديدة ، تشهد على ذلك دورة الألعاب الرياضية البحر المتوسطية ، و الأفكار التي نادى بها مفكرون مصريون من قبل - لا تعني أبداً الحرب على أي إنتماء أخر لمصر ، إنما أشدد على إن مصر متعددة الإنتماءات ، عربية ، و متوسطية ، و أفريقية ، و غير ذلك ، و أن مصلحة شعب مصر ، هي التي تحدد خطوات تحركنا ، و عالم اليوم لم يعد يلغي مبدأ التعاون المتعدد . و إذا كان التعاون العربي اليوم مشلول ، في ظل حالة التشرذم التي لا تخفى على أحد ، و الإتحاد الأفريقي تراجعت سرعة وتيرته ، بعد الزخم الذي شهده منذ بضع سنوات ، فلا بأس من أن نعمل على إعادة فتح باب أخر للتعاون ، باب قديم ، ظل مغلقاً و محرماً علينا لفترة طويلة ، باب البحر المتوسط .

و في كل الأحوال ، فإن كل الخطوات التي سنسير فيها من أجل تحقيق التعاون الأوروبي المتوسطي ، ستصب في مصلحتنا ، فسواء تحقق حلم إتحاد المتوسط ، أو الإتحاد الأوروبي المتوسطي الشرق أوسطي ، أو لم يتحقق ، فإن الحرب ضد الطغيان و الفساد و الإحتكار و الفقر و الأمية و الإنغلاق الفكري ، لا تضر أبداً .

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين الحسنية

بوخارست – رومانيا

حزب كل مصر

تراث – ضمير – حرية – رفاهية – تقدم – إستعيدوا مصر

03-02-2008

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق