الثلاثاء، 5 فبراير 2013

يوم و نصب المعتقل المصري المجهول

يوم و نصب المعتقل المصري المجهول

بينما تنقش أسماء الملوك المنتصرين فوق الجوائز، لا يحظى الذين حققوها بغير الدماء.

قول اغريقي قديم، تسبب في مقتل أحد أصدقاء الإسكندر الأكبر بيد الإسكندر، الذي أثار غضبه أن يسمع من صديقه هذا البيت، و الذي يعبر عن حقيقة، مؤلمة للفرد العادي، و لاذعة للحكام المغامرين المصابين بجنون العظمة، فمن يذكر أسماء جنود الإسكندر الأكبر، أو يوليوس قيصر، أو تيمورلنك، أو نابليون، أو غيرهم من جنود مشاهير الفاتحين؟؟؟

مشاهير الفاتحين الذين على عكس جنودهم، حظوا في حياتهم و بعد مماتهم بتكريم أممهم، و نقشت أسمائهم فوق أقواس النصر، و صكت صورهم فوق العملات، و تدرس سيرهم في المدارس لليوم، لم يحظ جنودهم البسطاء، الذين أخذ أغلبهم عنوة من بين أسرهم، بغير الدماء، موتاً أو جرحاً، و لم ينل من بقوا منهم احياء سوى مشاق الحروب، من أجل مجد غيرهم، حتى في الحروب المشروعة، كحروب الدفاع عن الأوطان، لا يحظى البسطاء بغير الدماء، و لا يُذكر أحد سوى الكبار، كبطل العبور، و صاحب الضربة الجوية الأولى و الأخيرة، بينما الألاف الذين حققوا النصر، الكثير منهم يعانون اليوم آلام الشيخوخة، و متاعب الفقر - الذي ترزح، تحت وطأته الثقيلة، الأمة المصرية - في صمت، و المرضى منهم لا ينالون واحد على مائة من عناية الدولة مقارنة بما يناله المرضى من بعض مشاهير الفنانين.

لقد أدركت الإنسانية - و لو متأخرة - واجب تكريم بسطاء الجنود، فأقامت الأنصاب التذكارية لجنودها العاديين، و الذين لا يذكر التاريخ أشخاصهم، تكريماً لهم، و عرفاناً بجميلهم، و إدراكاً منها بأن دورهم لا يقل عن دور كبار القادة العسكريين و السياسيين في أي حرب.

و مثلما لم تنس الإنسانية دور الجندي العادي في تحقيق النصر، لم تنس أيضاً ضحايا حروبها، المشروعة و غير المشروعة، فالضحايا، في أغلب الأحوال، لا ذنب لهم في جنون بعض الزعماء، أو طموحاتهم، أو إدعاءاتهم، لهذا أقامت أيضاً الأنصاب، و حددت التواريخ لتذكرهم سنوياً، كل دولة لها مجموعة من تلك التواريخ، أما أبرز تلك التواريخ، فهو يوم العشرين من يونيو من كل عام، اليوم العالمي للاجئين، الذين يعدون على مستوى العالم بالملايين، و الذين يعدون خير ممثل للأحياء من ضحايا الحروب.

لكن إذا كان من الرائع تذكر الجنود المجهولين، وقود الحروب، و معهم الضحايا المدنيين، إلا أن هناك ضحايا اخرين مجهولين منسيين، جنود معارك الحرية و العدالة، أو ضحايا جنون بعض الزعماء الذين يتاجرون بمخاوف شعوبهم، مثل جورج بوش الثاني، إنهم المعتقلين - الذين أنتزعوا عنوة من بيوتهم، أو من أعمالهم، أو أثناء سيرهم في طريقهم - و الكثير منهم فاضت أرواحهم في معتقلات الطغاة، سواء تحت التعذيب، أو ماتوا منسيين، بعد أن نسيهم الطغاة الذين أمروا بتقييد حريتهم، و نسيتهم مجتمعاتهم، و الكثير منهم إنتهى بهم المطاف جثة في قبر مجهول في بقعة نائية، أو ذوباناً في أحواض الأحماض الكاوية.

أتذكر منذ سنوات قليلة خلت، رد وفد مصري رسمي في مؤتمر دولي لحقوق الإنسان، على سؤال عن عدد المعتقلين في مصر، فكانت الإجابة: لا نعلم.

إنها، أي الإجابة، و إن كانت مفجعة، و مؤلمة في حقيقتها، و لها الكثير من الدلالات المحزنة، إلا أنها تعد تعبيراً موجزاً عن واقع المعتقلين في مصر.

إنهم مجهولين منسيين، حتى من ممثلي السلطة التي إعتقلتهم، لفترات وصلت في الكثير من الأحيان إلى أكثر من عقد من الزمان، و في أحيان أخرى إلى ربع قرن و يزيد، فقط من فترة إلى أخرى يسمحون لمعتقل بالخروج - مؤقتا و لغرض الدعاية للنظام الجبروتي الحاكم، و لفترة محدودة - لتقبل العزاء في والده، أو لرؤية أمه و هي تحتضر، و التي حرم عليها النظام الجبروتي الحاكم، أن تضم ابنها إلى أحضانها لمدة عقد و نصف عقد، ثم تسمى وسائل إعلام السلطة وزير المعتقلات، و كرباج الرئيس و حذاءه، بالأب الوزير الرحيم، متغافلة عن المأساة الحقيقية، و هي تقييد حرية شخص، لمدة عقد و نصف دون محاكمة على الإطلاق.

على إن المعتقلين المصريين هم أيضاً منسيين من أفراد الشعب المصري، فأين هي المظاهرات المنددة بسياسة الإعتقال المنهجية الممارسة حالياً؟ أين هي المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين جميعهم، على إختلاف ألوانهم السياسة و الدينية و المذهبية و الفكرية، سواء المعتقلين بقانون الطوارئ، أو بأحكام القضاء العسكري و الإستثنائي، كمحاكم أمن الدولة، أو بأحكام بعض القضاة المدنيين الذين دجنتهم السلطة فأصبحوا أدوات شريرة طيعة في يدها الباطشة.

الإستثناء الوحيد لهذا النسيان هم السيناوية، الذين لم ينسوا معتقليهم، و قابلوا التحدي بتحدي مماثل، فكانوا أن حظوا هذا الشهر، يونيو 2007، بوعد بإطلاق سراح معتقليهم الأبرياء، و إعادة ممتلكاتهم المصادرة بغير حق، و رفع الحرمان الذي طبق عليهم، من خلال سياسة العقاب الجماعي المباركية.

ان أقل ما نقوم به، كأبناء لمصر الحرية و العدالة، هو تحديد يوم، نتذكر فيه، سنوياً، جميع المعتقلين، منذ أيام الفراعنة و إلى اليوم، ففي كل عصر لا شك كان هناك معتقلين، ليس فقط في عصر مبارك، أو السادات، أو عبد الناصر، أو أسرة محمد علي، أو الإحتلال البريطاني و الفرنسي و العثماني، لقد كان في كل عصر مر بشعب مصر معتقلين.

في كل عصر كان هناك ضحايا للسلطة، على إختلاف اسم السلطة، و سبب بطشها، لهذا يجب أن يكون تحديد هذا اليوم، يوم المعتقل المصري، بمنأى عن الإنتماءات السياسية و الفكرية و العقيدية، و بعيداً عن التحيزات الشخصية، فالمعتقل لم يفرق، و هو يفتح فاه، لإبتلاع ضحاياه.

هذا عن الوقت الراهن، حيث لا نستطيع سوى أن نحدد يوم لتذكر المعتقلين المصريين على مر تاريخنا، أما عندما يشرق يوم الحرية و العدالة، الذي أتمنى أن يكون قريباً، فعلينا أن نقوم بإنشاء نصب للمعتقل المصري المجهول، الذي قضى شطراً كبيراً من حياته مقيدا بإرادة حاكم جبار عنيد، أو إحتلال غاشم، و ربما ذاق من العذاب أصناف، أو قضى نحبه و هو يئن من وطأة عذاب زبانية السلطة، و أعتقد ان أفضل مكان لهذا النصب، هو سجن القلعة، الذي كان له مكانته ككابوس مرعب، في الذاكرة الشعبية المصرية، كممثل لبطش السلطة، أياً كان إسمها، منذ أيام المماليك و إلى سنوات قليلة ماضية.

نريد يوماً و نصباً، يذكرنا، و يذكر الأجيال القادمة، بوحشية الإعتقال، و بطش السلطة المطلقة، و يجعلنا عندما يأتي عهد الحرية، نتذكر نعمة العدالة و الحرية التي حرمنا منها لشطر كبير من عمرنا، و يجعل الأجيال القادمة التي ستولد و ستعيش في ظل دولة الحرية و العدالة تقسم، و تجدد قسمها سنوياً، بألا تتكرر تلك الجريمة المضادة للإنسانية ثانية بحق أي فرد، أياً كان.

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين محمد علي عبد الرحمن الحسني

المنفى القسري : بوخارست - رومانيا

حزب كل مصر - حكم ، شعار الحزب : تراث - ضمير - حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر

22-06-2007

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق