يعقوب
صنوع أديب الحرية
لأقر بأنني أكتب هذا
المقال لعدة دوافع تختلط بالنفس ،
فأنا حين أقرأ عن يعقوب
صنوع
،
أقف أمام شخصية
مصرية
،
إمتزجت فيها عدة ثقافات
معا ،
إختلطت و ذابت في بعضها
البعض
،
ثم سكب عليها من إبداع
شخصيته و خلاصة نتاج عقله
،
فكان إبداع يعقوب
صنوع
، إلا أن
الإبداع الأدبي و التواصل الثقافي بين عدة ثقافات الذي
تمثل في شخصيته و إبداعه ليس بالسبب
الأوحد
،
فهناك أيضا الوطنية
المتأججة التي كانت تشتعل في نفسه و ظلت متأججة بداخلة إلى الرمق
الأخير
. تلك الوطنية التي جعلت
منه مثالا على الإصرار كما سنرى في إستعراض وجيز لسيرة حياته الحافلة بالوطنية و
الإبداع و الأحداث
،
و قد دفع ثمن تلك الوطنية
غاليا ، بينما كان بإمكانه أن يجني الكثير من المنافع الدنيوية الزائلة لو إنه
إختار طريق أخر
،
طريق سلكه
الكثير
،
فأثروا و تملكوا و نعموا
بالرفاهية و الجاه .
إن ما يكبر في العين من
تضحياته ، إنها كانت بمحض الإرادة ، فقد كان من المقربين من الأسرة
الحاكمة
،
و كان يملك من المؤهلات
الشخصية ما يجعل من نجاحة المادي أمر مؤكد ،
لكنه آثر طريق
الأشواك
،
طريق المصاعب و
المخاطر ،
طريق يدفع فيه صاحبه
و يضحي
،
و لا يجني
منه إلا المتاعب و المشاق .
لقد آثر طريق النضال الوطني
،
و محاربة الفساد و
الإستغلال ،
و سوء إستخدام
السلطة
،
فوظف كل طاقاته
البدنية و مواهبه الأدبية ،
و ذكاءه
المتأجج
،
من أجل تلك
القضايا.
تلك القضايا التي هي قضايانا نحن أيضا حتى بعد أكثر من
مائة و ثلاثين عاما
،
و للأسف
الشديد
. فمازلنا ننادي بالرقابة
البرلمانية الحقيقية
،
و حرية إختيار ممثلي الشعب
دون تدخل رأس المال و التزوير ،
و لازلنا ننادي بمحاربة
فساد الحاكم ،
و الفصل الفعلي بين المال
العام و الخاص
،
و نحارب سوء إدارة موارد
الدولة
،
و نصرخ ضد
توريط مصر في ديون طائلة ،
و نهتف ضد
إحتكار فئة قليلة مقربة للحاكم للإقتصاد
المصري ،
بينما الأغلبية تعاني
و تعتصر من أجل إثراء قلة . نعم مائة و ثلاثين عاما و القضايا هي ذات
القضايا
،
فقد عدنا
القهقرى
،
لنحارب نفس الحرب التي
خاضها يعقوب صنوع و غيره من احرار عصره و متنوريه مثل السيد جمال الدين الأفغاني و
الإمام محمد عبده
،
أستاذ سعد
زغلول
،
و غيرهم من الأحرار
المتنورين
. إن هذا حقا ما يثير
الألم
،
حين نجد تاريخنا بدلا أن
يمتد سائرا في خط طولي يتقدم للأفضل ،
نجده يسير في خط دائري ثم
يقف عند فترة حالكة من تاريخ مصر ،
فيستنسخ أهم معالمها
السيئة
.
ولد أديب
الحرية
،
يعقوب
صنوع
،
في التاسع من فبراير من عام
1839
،
بحارة اليهود
بالقاهرة
،
أباه من أسرة يهودية
إيطالية مهاجرة أما السيدة والدته فمن أسرة يهودية
مصرية
. و قد حرصت
أسرته على أن يحصل على تعليم متنوع فدرس العربية و العبرية و
الإنجليزية
، حتى كان يستطيع قراءة
القرآن بالعربية و التوراة بالعبرية و الإنجيل بالإنجليزية و هو بعد في الثانية
عشرة من عمره ،
كما أجاد
الإيطالية
، لغة أسرة
أبيه
، و الفرنسية لغة العلم و
الأدب في ذلك العصر
، و التركية لغة
الأرستقراطية الحاكمة
آنذاك. نصف
دزينة من اللغات أتاحت له أن يكون عالمي الثقافة ،
قادر على أن يرد موارد
العلم و الأدب و الفن على إختلاف مصادرها و تنوعاتها .
لكن أديبنا لم يكن
بالناقل
،
أو محصل كالنمل
،
بل كان مبدعا
كالنحل
،
الذي يرتشف رحيق مختلف
الورود و الأزهار
،
ثم يبدع إبدعا شهيا
كشهد
،
فأبدع إثنتان و ثلاثين
مسرحية
،
و قد أخرج بنفسه معظم تلك
المسرحيات من خلال فرقة مسرحية أنشأها .
و من تلك المسرحيات
،
السلاسل المحطمة و البورصة
و الحشاش والضرتان و زبيدة و الوطن و الحرية .
و قد كان في معظم مسرحياته
إما ناقد لعيوب المجتمع المصري ،
أو لفساد الحاكم و النخبة المسيطرة ،
حتى لقب بموليير
مصر
،
في إشارة إلى تشابه أهدافه
مع الكاتب المسرحي الفرنسي الشهير موليير ،
الذي إنتقد المجتمع في عصر
حاكم متسلط هو لويس الرابع عشر ،
الذي كان يعشق
أيضا الأبهة و الفخامة و لو كلفت الشعب الكثير ، كما كان الخديو
إسماعيل .
إلا أن موليير مصر ،
يعقوب صنوع ، لم يكتف بالمسرح كوسيلة للنقد و للتنوير و التغيير ، فأسس أيضا
أحد أشهر الصحف المصرية في تاريخ الصحافة
المصرية
،
أبو نضارة
زرقا
،
التي صدر العدد الأول منها
في الحادي و العشرين من مارس من عام 1877 ، و ذلك بتشجيع من قائدي التنوير
الشرقي
،
السيد جمال الدين الأفغاني
و الإمام محمد عبده
،
فكانت شوكة لم يستطع الخديو
إسماعيل تحملها طويلا فكان النفي من مصر في الثاني و العشرين من يونيو من عام 1878.
لكن لم يكن
يعقوب صنوع بالرجل الذي يفت النفي في عضده ،
أو يجعله يفتر في
حماسته
،
فأصدر من منفاه جريدة رحلة
أبو نضارة زرقا
،
في السابع من أغسطس من عام
1878 ،
التي إستمرت حتى سبتمبر من
عام 1879
،
و قد عاد فأصدر في نفس
العام الذي توقفت فيه جريدة
، رحلة أبو نضارة
زرقا
،
جريدة أبو نضارة
زرقا
، و ذلك للمرة
ثانية
،
في الحادي و العشرين من
مارس من عام 1879 و ذلك لبضعة أشهر . و قد تعددت الصحف التي أصدرها في منفاه ، فبالإضافة للصحيفتين السابقتين ، أصدر صحيفة النظارات
المصرية ، و أبو زمارة ، و أبو صفارة ، و الحاوي ، و أبو نضارة
لسان حال الأمة المصرية الحرة ،
و التودد ، و
المنصف
، و أخيرا
جريدة الأمة الإسلامية و التي صدرت بالفرنسية حيث كانت موجهة
للقراء داخل فرنسا
،
بعكس الصحف السابقة التي
كانت أساسا للقراء داخل مصر ، فكانت صحفه تهرب إلى مصر حتى أن
الزعيم
الوطني
المصري
،
أحمد عرابي ، و الذي حافظ
يعقوب صنوع على إتصالاته به رغم المنفى ،
و إستمر التراسل
بينهما بعد نفي أحمد عرابي و رفاقه إلى سيلان ، كتب إلى يعقوب صنوع في
عام 1884 ، رسالة قال فيها : أعترف أنك
كنت
أول من تعاطف مع الأمة
العربية ،
لأنك كافحت من أجل قضية
الحرية ثماني سنوات ،
و قد كان صحيفتاك الحاوي و
أبو نضارة زرقا أهم عون لي في نداء الأمة و نشر أفكار الحرية بين القاصي و الداني ،
أكرمك الله باسم الأمة
.
إن ذكرى هذا البطل
المصري الوطني ، الذي أصبح شبه مجهول اليوم، لا يجب أن تغيب عن الذاكرة الشعبية المصرية .
فكما إن ذكراه مثال لبطل وطني من أبطال القلم ، فإنها مثال رائع و عملي للتلاحم
الوطني المصري ، و بيان إن شعار ثورة 1919 ، و التي لم يعاصرها بطلنا
حيث توفي في أكتوبر 1912 ، كان شعار مطبق بالفعل في مصر من قبل إطلاقه
.
أكرم الله يعقوب
صنوع
،
كما دعا له الزعيم المصري
الوطني
الخالد أحمد عرابي في إحدى
رسائله
،
و أكرم الله كل وطني مصري
أيا كان معتقده أو أصله أو لونه أو عرقه أو جنسه أو
ثقافته . على إن هذا المقال
لا رابط بينه و بين أي أحداث معاصرة حدثت و تحدث أو ستحدث في منطقتنا ، فالمقال
يتحدث فقط عن هذه الشخصية العظيمة ، و على دلالات تاريخ نضالها الوطني ،
و تفاعلاتها مع بعض الشخصيات المعاصرة لها .
أحمد
محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين محمد علي عبد الرحمن الحسني
الإسم النضالي : أحمد حسنين الحسنية / أحمد حسنين الحسني
المنفى القسري : بوخارست -
رومانيا
حزب كل
مصر - حكم ، شعار الحزب : تراث -
ضمير - حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر
الرابع من
إبريل 2006
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق