الثلاثاء، 5 فبراير 2013

عندما يصبح المجرم بطلاً

عندما يصبح المجرم بطلاً

في تزييف جديد للتاريخ المصري ، نشر موقع إخواني ، حديث للأستاذ الفنان نور الشريف ، تحدث فيه عن أمور عدة ، و يهمنا من ذلك الحديث ، بضع فقرات ، على قصرها ، فإن لها أهميتها ، لأنها تبرئة للمجرم من جرمه الثابت عليه ، و الأخطر تزويراً للتاريخ الذي قد تجهله الأجيال اليافعة ، التي ستنشأ مثلما نشأت أجيال أخرى تتصور أن إخوان البنا ، صناعة آل سعود ، هم مثال الإعتدال الإسلامي ، و أبطال النضال الوطني ، فخطورة هذا التزوير تتمثل في انه موجه للنشء من شباب مصر ، فقد كان حديث الأستاذ الفنان نور الشريف موجه للشباب الجامعي .

في تلك الفقرات قال الأستاذ نور الشريف ، أن الإخوان لم يستخدموا العنف ، و القتل إلا ضد محتل أو خائن ، و سوف أستعرض هنا الأمرين .

قبل أن أفند ما قاله الأستاذ نور الشريف ، أريد أن أسأله : هل بإمكان أي شخص ، يخون شخص ، أو مجموعة أشخاص ، أن يأخذ الأمر على عاتقه ، فيقوم بتصفيته ، أوتصفيتهم ، جسدياً ، بنفسه ؟

هل دور الدولة لديك ، يا أستاذ نور ، قد تلاشى ، و أصبح من حق كل فرد ، أن يحمل السلاح ، ليقتل كل من يعتقد بأنهم خونة ؟



أياً كانت إجابته ، فإن الحقيقة التاريخية تقول ،بأنه ، إذا كان الإخوان قد شاركوا في الكفاح ضد الإحتلال البريطاني ، فإنهم لم يفعلوا أكثر مما فعل غيرهم من الوطنين المصريين ، و لا يجب أن ننسى أن الزعيم المصري ، مصطفى النحاس ، كان هو الذي أعلن الكفاح المسلح ضد الوجود البريطاني بالقناة ، و هو الذي فتح مخازن السلاح الرسمي للمتطوعين المصريين الوطنيين من كافة الإتجاهات المصرية ، و لا يجب أن يغفل عن بالنا دور قوات الشرطة المصرية في تدريب المتطوعين على فن إستخدام السلاح ، و تكتيكات حرب العصابات ، مما دفع بالبريطانيين لأن يقدموا على حصار مقر الشرطة المصرية بمدينة الإسماعيلية ، و التي إستبسل أفرادها إستبسل في الدفاع عن شرفهم العسكري و شرف مصر ، رغم عدم التكافؤ البين بين الجانبين ، حتى أنهم بشجاعتهم نالوا إحترام أعدائهم من البريطانيين بعد إنتهاء المواجهة ، و نفاذ الذخيرة ، فأدت القوات البريطانية التحية لهم ، و لشهدائهم .

نحمد الله أن التزوير الإخواني لم يصل أن يجعل من أبطال الشرطة أعضاء في جماعة الإخوان ، و ينسبون لأنفسهم بطولاتهم . رغم أن وقاحتهم جعلتهم يغيبون كفاح الأخرين من أبناء مصر من غير اخوان البنا . و نحمد الله أن تاريخ تأسيس جماعة إخوان حسن البنا معروف ، حتى لا ينسبوا لأنفسهم ثورة عرابي ، فيدعون أن عرابي و جيشه كانوا إخوان لهم ، و أن ثورة مصر الخالدة ، ثورة 1919 ، هي ثورتهم ، و حتى لا نفاجأ يوما بأن هناك من يقول أن سعد زغلول ورفاقه قد سبق و أن أدوا البيعة للمرشد الإخواني ، و أنهم نالوا منه إرشادات ، و دعوات ، و بركات ، قبل ذهابهم لمقابلة المندوب السامي البريطاني سير وينجت .

أن الدور الإخواني في الكفاح الوطني المصري ضد المحتلين ، هو أقل الأدوار شأنا إذ ما قورن بالكفاح الوطني للمصريين عبر فترة الإحتلال ، فثورة 1919 ، كما أسلفت لم يكن أحد من الذين شاركوا فيها ، بالقول ، و الفعل ، و عرضوا أنفسهم لرصاص المحتلين من إخوان البنا ، و الحمد لله ، فلم تكن مصر قد أبتليت بعد بالفيلق المصري في جيش إخوان آل سعود . أما عن الكفاح المصري بعد ذلك في القناة ضد القواعد البريطانية سنجد بالفحص أن دورهم هو أقل الأدوار شأنا ، و قد ذكرت مثال الشرطة المصرية عالية التي لم تكن إخوانية ، و في حرب فلسطين عام 1948 ، هلل الإخوان ، و طبلوا و زمروا ، للمتطوعين من الإخوان ، و لكن للتاريخ فقد كانت الأكثرية الساحقة من المتطوعين المصريين من غير الإخوان ، و منهم قائد المتطوعين الشهيد البطل أحمد عبد العزيز ، الضابط المصري الوطني ، و لكن للأسف حظى الدور الإخواني بالتضخيم ، و توارى دور الأخرين إلى غياهب النسيان البشري ، و لكن ثواب أولئك الأبطال المجهولين محفوظ عند البارئ ، عز وجل . لقد تضخم الدور الإخواني في كل مرحلة ، حتى أصبحت الأجيال الغضة تتصور أن الكفاح الوطني إخواني فقط ، و من عاداهم من المصريين فهم ، إما خونة ، أو متقاعسين ، ذلك أن الإخوان هم من يملكون المال ، و التنظيم ، و الآلة الإعلامية ، التي تستطيع أن تجعل من حبتهم قبة ، و تخسف بأعمال الأخرين ، و لو عظمت ، إلى أسفل سافلين .

فإذا إنتقلنا للقول الثاني للأستاذ الفنان نور الشريف ، و الذي قال فيه أن السلاح الإخواني وجه ضد الخونة ، فهذا ما لا يمكن السكوت عليه مطلقا . فإننا قد نغض الطرف عن إدعائهم البطولة ، و الوطنية ، و حدهم ، على أساس أن الله أعلم بمن جاهد ، و كافح ، و أن المثوبة من عند الله ، و ليست من عند البشر ، بل و يمكننا أن نتناسى دورهم الإرهابي حتى لا نثير آلام البعض ، و لكن أن يقال أن ضحاياهم خونة ، لتبرير جرائمهم ، فهذا ما لا يمكن التهاون بشأنه مطلقا .

أليس هم بتنظيمهم السري من قتل البطل المصري الوطني ، و رئيس الوزراء الأسبق ، النقراشي باشا ، ذلك البطل الذي كان أحد أعمدة الهيكل التنظيمي لثورة مصر الخالدة 1919 ، و هو ذات البطل الذي كان يتولى منصب وكيل وزارة الداخلية ، ابان مصرع السردار البريطاني للجيش المصري، سير لي ستاك ، في نوفمبر من عام 1924 ، و حاول تضليل التحقيق ليسهل هروب الجناة ، بما عرضة للفصل من وظيفته المرموقة ، بعد تولي عميل الإحتلال البريطاني ، أحمد زيور ، رئاسة الوزراء خلفا لسعد زغلول .

و هو أيضا البطل الذي وقف أمام الملك فاروق ، ليسأله عن سلوكه في الحفلات التي يقيمها ، فسأله أن كان يسمح بتقديم الخمور للسيدات المسلمات في حفلاته ، و أجابه الملك كالتلميذ الخائف ، نافياً أن يكون حدث شيئا كهذا ، فقد كان الشهيد النقراشي قويا في الحق ، و تشهد على ذلك مذكرات المستشار الصحفي للملك ، كريم ثابت ، اللبناني الأصل ، و الذي لم يكن يُكن ، بضم الياء ، أي ود للنقراشي ، و لكن شهد بالحق . لقد كان النقراشي تقيا قويما في خلقه ، فكان مضرب المثل في نظافة اليد ، مثلما كان في عفة اللسان ، و النفس ، مع الإباء ، و الشمم ، فلم يترك بعد مقتله على يد إخوان البنا ، عملاء آل سعود ، بيضاء أو صفراء لورثته ، إلا معاشه و بيت بسيط ، فلم يكن الشهيد النقراشي يوما من أصحاب العزب ، و الإقطاعيات ، و الأعمال ، و لم يكن يوما من المقربين من رجال المال ، و الأعمال ، ليسهل لهم أعمالهم مقابل عمولات ، و تشهد مذكرات ملك القطن الشهير ، و رجل الأعمال المعروف في ذلك العصر ، فرغلي باشا ، على أن علاقة النقراشي برجال الأعمال ، و منهم فرغلي ، كانت جافة ، بل يمكن وصفها ، بلا مبالغة ، بالسيئة ، فقد كان الشهيد ، حريصا كل الحرص على أن ينأى بنفسه عن مواطن الشبهات ، و كل ما يدنس العرض ، و يلوث السمعة ، و يشين الشرف.

أنني أكتب تلك الكلمات ، من أجل إظهار الحق كاملا بلا تزييف أو تزوير ، و يشهد الله على أن ما أكتبه لم يتأثر بأهواء شخصية ، أو ميول سياسية ، فقد كانت عائلتي في خصام سلمي مع ممثلي حزب السعديين في بلدتنا الأصلية ، ذلك الحزب الذي أسهم في تأسيسه ثم قيادته بعد ذلك الشهيد النقراشي بعد إنشقاقه عن الوفد - حين أنحرف النحاس بالوفد عن رسالته ، ذلك الإنحراف الذي أدى لإنشقاق أخر ، بعد سنوات ، بقيادة مكرم عبيد ، و الذي أسس حزب الكتلة الوفدية ، بعد أن رأى تسرب رجال الإقطاع و المال إلى الحزب ، و سيطرتهم على الحزب ، و على النحاس - و لكن الحق حق ، ولا يتوقف قوله على أراء شخصية ، أو مواقف عائلية .



لقد كانت جريمة البطل الوطني الشهيد النقراشي باشا ، أنه رفض أن تكون هناك دولة داخل دولة ، و تنظيم مسلح سري لجماعة مستقلة ، فقد كان بإمكان الأستاذ حسن البنا و إخوانه ، ممارسة العمل السياسي الحزبي جهارا لو شاءوا ، و بناء على هذا قرر الشهيد النقراشي ، بصرامته المعهودة في الحق ، أن يفض التنظيم السري ، و يصادر أسلحته التي أستخدمت لقتل المعارضين لإخوان البنا ، و إرهاب المخالفين ، فكان أن أصدر مرشد الإخوان حسن البنا ، الأمر بقتله ، و قد نفذ الأمر ، و أستشهد النقراشي الذي كان يعتقد أن عدله ، و إستقامته ، كافيين لحمايته ، و أخيرا فقد كان يتمثل بقوله تعالى : لكل أجل كتاب.

أن ما يزيد الجريمة الإخوانية خسة و دنائة ، أنها تمت في عام 1948 ، عام النكبة الشاملة ، فلم يرع الإخوان مصلحة مصر ، أو الأمة الإسلامية ، تلك المصالح التي يتشدقون بها ، و لم يرعوا أن العام عام حرب ، و تقرير مصائر شعوب ، و دول ، و أن الصراع لم يضع أوزاره بعد ، و أن مصر تحتاج في تلك المرحلة الدقيقة من تاريخها ، و تاريخ المنطقة ، ليس فقط إلى الإستقرار ، بل و أيضا إلى قائد قوي صارم ، مفكر ، له باع في الحكم ، و السياسة . و لكن و منذ متى يفكر الإخوان في مصلحة الأمة ؟

ان جريمة قتل البطل الوطني الشهيد النقراشي ، هي أكبر دليل على أن الحكم هو في النهاية مجمل هم تلك الجماعة ، لا يهم كيف يصلون إليه ، و أن الدين ليس إلا مطية يمتطونها ، و أنهم لا يأتمرون إلا بأوامر خارجية ، أوامر تتخذ في قصور آل سعود . الذين كان يهمهم تدمير الهيبة المصرية ، و مرمغتها في أوحال الهزيمة ، و تغييب كل قادر على قيادة مصر في فترة عصيبة ، ليسهل لهم ، أي لآل سعود ، السيطرة على مصر بعد ذلك ، حتى يستقر حكمهم في الجزيرة العربية ، فقد أدرك الملك عبد العزيز آل سعود ، مؤسس الدولة السعودية الثالثة ، و الأخيرة ، بإذن الله ، قصر الله عمرها إن شاء الله ، بأن ملك ، بضم الميم ، آل سعود لا يستقر له أساس إذ لم يسيطر آل سعود على مقدرات مصر ، و قد كان لآل سعود ما سعوا إليه في ظل وجود قيادات مصرية ضعيفة و إنتهازية ، بعد تغييب الأقوياء ، فلم يكن النقراشي برجل المساومات ، و الصفقات . فها هي مصر اليوم قد أحنيت هامتها ، و أصبحنا ننتظر ما يجود به علينا الأخرين ، و كل يملي علينا إرادته ، و شروطه ، و يرعى مصالحة أولا ، فنحن لم نعد سوى متسولين ، و الفضل ليس لآل سعود ، و لا لعملائهم ، أكانوا آل مبارك ، أو إخوان البنا ، بل لتقاعسنا عن إسترداد حقوقنا ، و حريتنا ، و كرامتنا ، فنحن ، بتخاذلنا ، من مكنا هؤلاء جميعا ، من السيطرة على مصرنا .

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين محمد علي عبد الرحمن الحسني

المنفى القسري : بوخارست – رومانيا

حزب كل مصر - حكم ، شعار الحزب : تراث - ضمير - حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر

19-03-2006

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق