الثلاثاء، 5 فبراير 2013

مبارك على خطى إسماعيل و أسوأ

مبارك على خطى إسماعيل و أسوأ

عندما نقلب في صفحات تاريخ مصر الحديث يشد إنتباهنا التطابق بين سلبيات عهد الرئيس مبارك و عهد الخديو إسماعيل في ميادين السياسة و الحكم و الإقتصاد، مع ضرورة ذكر الإختلاف البين في ميدان الثقافة و التعليم و التنوير، تلك الإختلافات التي تقف في صالح الخديو لا الرئيس رغم ما يفصل بين عهديهما من زمن، و ذلك للأسف الشديد.

إذا إستعرضنا اوجه التشابه بين الحاكمين في ميدان الحكم أولا، سنجد ذلك الحكم المطلق و تلك القبضة الحديدية التي تريد الإمساك بكل مجريات الأمور، و نجد ذلك الإنفراد بإتخاذ القرارات و عدم التراجع عنها و لو ثبت فشلها، مع البطش بالخصوم و عدم التورع عن إرتكاب أشد الأفعال دموية و قسوة ضد كل من يشكل تهديدا أو يشتم إنه سوف يكون خطرا في المستقبل. على أن الملاحظ أن تلك الرغبة في الإستئثار بالسلطة بشكل مطلق، لم تمنع كليهما، مبارك و إسماعيل، من الإحتفاظ بمظاهر المجتمع الديمقراطي، مع مراعاة العصر عند المقارنة، الفارق في هذا أن الخديو صنع تلك المظاهر الشكلية، فأوجد البرلمان بشكله الحديث، محدثا بذلك دواوين الشورى التي صنعتها الثورة الفرنسية و طورها محمد علي الكبير، بل وصل الأمر بالخديو إسماعيل أن صنع معارضة شكلية في البرلمان حتى تكتمل الصورة. أما الرئيس فقد ورث تلك المظاهر و المؤسسات الديمقراطية المدنية عمن سبقه ثم شرع في تقليص دورها الواحدة بعد الأخرى، من القرية للجامعة و من البرلمان للأحزاب و الجمعيات غير الحكومية، فبقى هيكل المجتمع المدني الحر من الخارج بينما هو مفرغ من الداخل.

أما أهم ما يجمع بين العصرين في ميدان الحكم، هي عدم إكتفاء الحاكمين بما حظيا به من مكانة و سلطة، و ما تمرغا فيه من نعيم، فأرادا أن يستمر ذلك في أعقابهم، غير مراعين عدم أهلية ولديهما لتحمل تبعات هذا المنصب الضخمة، خاصة بعد ما تسببا فيه من أزمات و أخطاء، تجعل من أي حاكم بعدهما ينوء بأحمال ثقال. فمثلما لم يكن توفيق مؤهلا لتحمل تبعات المنصب، فالأمر كذلك لجمال مبارك الذي لم يظهر أية مواهب خلال عقد قضاه بجانب والده يدير نيابة عنه الشئون الداخلية، لم يحدث فيه إلا الأسوأ فإزدادت وطأة الحياة ثقلا خلال ذلك العقد على معظم فئات المجتمع المصري.

أما في ميدان السياسة، فقد سقط كلا الحاكمين، مبارك و إسماعيل في أحضان النفوذ الأجنبي و إستسلما له، و كلاهما أعتبر ذلك النفوذ دعامة أساسية له، و نقلا نفس الفكر لولديهما، فإرتمى توفيق في أحضان بريطانيا و فرنسا، و لم يقابل عرابي إلا و هو محاط بممثلي البلدين، و حين حدث تهديد جدي لسلطته إرتمى في أحضان بريطانيا بالكامل جالبا لمصر إحتلال دام أكثر من سبعة عقود. على الجانب الأخر من المقارنة أرسل الأب إبنه للبيت الأبيض منذ بضعة أشهر في زيارة سرية، أصبحت بعد إفتضاح أمرها مشهرة، حتى يأخذ البركة و ينال الحظوة و يؤكد أنه على عهد أبيه باق و على خطاه سيسير. حقا لن يحدث إحتلال لمصر، و لكن هذا لا يمنع من حدوث أمور لا تقل شرا، فمن يدري؟ فقد يستسلم الإبن للضغوط عند إحساسه بقلقلة الكرسي من تحته، و يرسل الجيش المصري للعراق أو أفغانستان حتى يضمن إنسحاب أمريكي مشرف فيخفف من وطأة الأمر هناك على أي رئيس أمريكي قادم، مقابل مزيد من المساندة له. و قد إتضحت بوادر هذا الإنصياع الأعمى فيما يحدث على الحدود المصرية الفلسطينية، بإغلاق المعابر بين حين و أخر دون مراعاة للحاجات الإنسانية، و المعاملة السيئة الهمجية التي يشتكي منها جميع من تعامل مع تلك المعابر، فأصبح النظام المباركي أداة عقاب جماعي للشعب الفلسطيني بغزة.

إقتصاديا، عرف مبارك و إسماعيل بالفساد الشديد، فغدا إسماعيل و أبنائه هم أكبر ملاك للأراضي الزراعية بمصر، و التي كانت عماد الثروة آنذاك، و الأمر لا يختلف مع مبارك و أسرته، فقط الإختلاف هو في نوعية الثروة و كمها، من أطيان زراعية لتصبح أموال سائلة بالخارج و إحتكارات إستثمارية بالداخل، مع إستدانة لم يسبق لها مثيل أنهكت الإقتصاد المصري.

كما أن كلا من مبارك و إسماعيل عملا على خلق طبقة ثرية عليا موالية يكونا هما أرباب نعمتها لتكون ركيزة لحكمهما و سند لأخلافهم من أصلابهم، و ذلك بتمكين مجموعة محدودة مقربة موثوق بولائها من الإثراء الفاحش بطرق تعتمد على الإحتكار و عدم العدالة، فأضحى النجاح الإقتصادي في العصرين يتقرر بمدى الحظوة لدى الحاكم، و لم يعد للجهد المثابر و التفكير الخلاق و النظرة البعيدة و الرؤيا العميقة أي ضرورة للنجاح.

على أن ما يحسب لعصر إسماعيل و يخفف من سلبيات عهده، هو ذات ما ينقص عصر مبارك و يزيد حالكته. لقد آمن إسماعيل إيمانا مطلق لا يتزعزع بالحداثة و المدنية، و عرف أن العلم و التعليم هما مفتاح التحديث، و أدرك بأن النهوض ليكون كاملا و دائما يجب أن يشمل المرأة كما الرجل، فكان إيمانه الصميم هذا دافعا له أن ينشأ المدرسة السنية لتعليم البنات، و بدأ ببنات أسرته، فكان بهذا رائدا يجب أن يشار لشجاعته و إصراره بالبنان، و لم يقف الأمر عند هذا الحد، فواصل سياسة جده محمد علي الكبير فتوسع في إنشاء المدارس العامة، و المدارس العليا المقابل القديم للكليات الجامعية اليوم، و توسع في إرسال البعثات التعليمية للخارج، و رعى الفنون المعروفة في مصر في عصره و أدخل فنون جديدة لم تعرفها مصر من قبل. كما شجع العلماء و الأدباء و شمل برعايته المستكشفين. تلك الحسنات التي تخفف من سلبيات عصر الخديو إسماعيل - الذي تقوض حكمه في 1879 - يقابلها اليوم، في عهد مبارك - الأول و الأخير بإذن الله - و الذي بدأ عهده بعد قرن تقريبا من عزل الخديو إسماعيل، حالة من الإستسلام المشين أمام قوى الإظلام المعادية لقيم الحداثة و المدنية، تلك القوى الظلامية التي تكسب كل يوما أرضا جديدة ينحسر عنها نور القيم المدنية و الإنفتاح الفكري. حتى أصبح هناك خطر يتهدد مجتمعنا المصري الحديث الذي بدأناه في 1805 بعد صدمة الحملة الفرنسية. لقد أمست مسيرة التحديث المصرية التي مضى عليها قرنين تواجه خطر التوقف بعد أن تباطأت كثيرا منذ منتصف السبعينات من القرن العشرين.

الخطر لا يتمثل اليوم فقط في تهديد الحرية السياسية التي يلقى عليها كل يوم طوق جديد يخنقها حتى أصبحت في الرمق الاخير، مثلما لا يتمثل فقط في تهديد السلام الإجتماعي بزيادة الهوة بين الأغلبية البسيطة المكافحة و القلة الثرية الفاحشة الثراء، تلك الهوة السحيقة الخطيرة التي لم تأت نتيجة تكاسل الأولين و إجتهاد الأخرين، إنما يتمثل أيضا في التهديد بزوال كل قيم مجتمعنا المصري المدني الحديث الذي مضينا قرنين نبنيه، و لنبدأ من الصفر ثانية.

إننا اليوم و إن كنا نعيش عصر مستنسخ بصورة مشوهة من عصر إسماعيل، نسخة لم تنقل سوى المثالب و كل ما هو رديء و تتقدم فيه قوى الإنغلاق بخطى ثابتة واثقة محتمية بقوى الفساد الحاكمة، إلا إنه لازال لدينا متسع من الوقت و بعض الأمل في إنقاذ ما تبقى و إستعادة ما فقد، و الأمر لا يحتاج إنتظار أربعين أو ثلاثين عاما، فقط نحتاج العزيمة و التصميم الذي لا يلين مع الشجاعة و الثبات في مواجهة قوى الفساد و الإظلام. فإلى أن تفتح الأغلبية عيونها على الواقع المزري الذي تعيشه و تعرف كم المخاطر القادمة، و تتحلى بالصفات الضرورية للتغيير، فليس لدينا و علينا إلا أن نستمر في الهتاف: أفيقوا و إنتبهوا و تشجعوا و إتحدوا لتستعيدوا مصرنا التي كنا نعرفها.

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين محمد علي عبد الرحمن الحسني
أحمد حسنين الحسنية / أحمد حسنين الحسني

المنفى القسري : بوخارست - رومانيا

حزب كل مصر - حكم ، شعار الحزب : تراث - ضمير - حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر

19-10-2006

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق