الثلاثاء، 5 فبراير 2013

شارع الخليفة المأمون سابقاً ، الوجه الحقيقي لطاغية

شارع الخليفة المأمون سابقاً ، الوجه الحقيقي لطاغية

ماذا لو أطلق محافظ القاهرة - في هذا العصر - إسم لورد كرومر على أحد الشوارع الهامة في مصر ؟

ماذا لو قام محافظ دمشق بإطلاق إسم تيمورلنك على أحد ميادينها الرئيسية ؟

في مصر ، حدث ما يشابه هذا ، فقد أقمنا تمثال من قبل للأفاق الفرنسي المدعو دليسيبس على مدخل القناة ، التي حفرها أجدادنا بالسخرة ، و أطلاقنا من قبل إسم قمبيز على أحد شوارع القاهرة ، و لازلنا نطلق إسم الخليفة المأمون على أحد شوارعنا الرئيسية .

لمن صعق من وضع إسم المأمون مع كرومر و دليسيبس و تيمورلنك و قمبيز ، أقول له لا تصعق لأنك لا تعلم عن المأمون سوى الأسطورة التي حيكت حوله ، على إنه لا عذر لمن أطلق إسم المأمون على هذا الشارع في مصر ، لأن هناك لجنة لتسمية الشوارع في مصر ، تضم في أعضائها متخصصين في التاريخ ، من أرفع المستويات .

الأسطورة التي حيكت حول المأمون مضمونها هو : خليفة عادل ، قتل أخاه المتهتك الخليفة الأمين ، لأنه تعرض للظلم عندما خلعه أخوه من ولاية العهد ، لصالح إبنه الطفل ، بينما المأمون ، أسن من الأمين بستة أشهر .

خليفة كان مولع بالثقافة ، معضد لها ، راعي للعلماء و الشعراء ، محب للإطلاع على الجديد ، مساند لأكبر حركة ترجمة للعلوم اليونانية و اللاتينية و الهندية و الفارسية و السريانية . خليفة مولع بالنقاش العلمي و اللاهوتي ، حتى تحول مجلسه إلى ما يقرب أن يكون صالون أدبي – علمي ، يتناقش فيه العلماء و رجال الدين بحرية و أمان .

خليفة واسع الحلم ، يكظم غضبه حتى لو تطاول عليه خدمه ، و يتواضع لأصدقائه ، أشد التواضع .

الأسطورة فيها جانب كبير من الحقيقة ، فلا إنكار إن أباه ، هارون الرشيد ، ساق الخلافه للأمين ، و هو أصغر من المأمون ، و أن المأمون تقبل ذلك ، و لكنه لم يحتمل أن يخلع من ولاية العهد من أجل أن يحل محله طفل ، و لا يهمنا اليوم ثورته على أخيه ، فهذا هو الشأن في الماضي ، و هناك خلفاء و سلاطين كانوا يقتلون أخوتهم بمجرد إعتلائهم سدة العرش ، خوفا من أن ينازعونهم الأمر في المستقبل ، مثل سلاطين آل عثمان في زمنهم الأول .

و لا إنكار أنه كان بحق راعي للعلوم و الفنون ، و مساند لأكبر حركة ترجمة شهدتها العربية في القرون الوسطى ، و مجلسه كان كثيرا ما يكون أشبه بالصالون الثقافي .

أما عن صبره على خدمه حتى لو ساء أدبهم معه ، و تواضعه الجم مع الأصدقاء و الرفاق ، فهذه روايات الله أعلم بصحتها ، و لا أملك حيالها إلا الصمت ، إحترازاً من الوقوع في إثم الظن و الكذب .

أما الجانب الذي لم يسلط عليه الضوء من حكمه ، برغم إنه موثق ، و هناك إجماع عليه من عمد المؤرخين ، هو الجانب الذي يهمني كمصري وطني ، و الأول كإنسان يؤمن بقيمة الإنسان و تكريمه ، و هذا التكريم يشمل حرية الإنسان ، و منها حرية ضميره .

لقد قيل الكثير عن المأمون كراعي للعلم و الأدب ، و عن حلمه و عفوه ، و عشقه للمناظرات الجادة ، و لكن كيف يكون ذلك و هو الذي فجر الإضطهاد الديني الذي عرف بمحنة خلق القرآن ، فالمأمون كمعتزلي آمن بأن القرآن مخلوق ، و قد تعصب لذلك ، بينما رفض أهل السنة هذا القول ، فكان أن فجر المحنة المعروفة ، و التي بدأت بإمتحان العلماء و الفقهاء ، تلك المحنة التي دشنها ، ثم إستمرت من بعده في عهد المعتصم و الواثق ، و زهقت ضحية لتلك المحنة نفوس ، و عذب أشخاص ، و قيدت حرية أخرين منهم الحارث بن مسكين المصري ، الذي سنأتي على ذكره فيما بعد . فهل شخص كهذا يستحق أن نظل نؤمن بالهالة التي أطلقها حوله حملة مباخر السلطة العباسية ؟ هل هو فعلاً مثال للحاكم المستنير ، المحب للمناظرات ، و الحليم الذي يقبل الإختلاف ؟

ثانيا كمصري وطني فإنني لا أستطيع أن أتقبل أن يظل هناك شارع أو زقاق بإسم هذا الحاكم في مصر ، فالثورة المصرية الكبرى التي حدثت في عهده مثال أخر على البطش و الجبروت ، فالثورة هناك إجماع من المؤرخين ، على إنها ثورة إقتصادية ، و ليست ثورة لأسباب وطنية أو دينية أو مذهبية ، و إنها نتيجة عسف و ظلم ولاة المأمون ، و إنها شملت جموع المصريين ، سواء من هم من أصل عربي أو من أهل البلاد ، المعروفين بالقبط ، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين ، و لعل سيرة قاضي مصر الشهير الحارث بن مسكين ، المصري بالمولد و الأصل ، الأموي بالولاء ، و شهادته - و هو العدل – جهرة في المسجد الجامع ، و في حضور وزير المأمون ، بأن واليين من ولاة المأمون على مصر ، ظالمان غاشمان ، ثم كرر نفس الشهادة في وجه المأمون ذاته مرتين ، مرة قبل إخماد الثورة ، و مرة أخرى بعدها ، و هي الشهادات التي أدت إلى نفيه الطويل ، حتى أعاده المتوكل لمصر ، و ولاه القضاء .

ها هو المأمون ، و بشهادة مصادر تاريخية موثوقة ، يعاقب قاضي على شهادة الحق ، و هو – أي المأمون – الذي أقر ، طبقا للمصادر ذاتها ، بأن الواليين المعنيين فعلا ظلمة ، فأين هو عدل المأمون ؟

ثم أين حلم المأمون و عفوه ، و هو الذي عندما نجح - بعد جهد جهيد - في إخماد ثورة الشعب المصري ، و بعد أن قبل الثوار المصريون الإستسلام على شرط الخضوع لحكم أمير المؤمنين المأمون ، و كان حكمه - و هو الخليفة الذي طبل له كتاب سلطته ، عن حلمه ، حتى على من يسيء القول من خدمه – قتل الرجال ، و سبي النساء و الأطفال ، و التاريخ يذكر لنا كيف أصبح المصريين يستعبدون و يباع أطفالهم في عهد خلفاء المأمون ، فيحدثنا عن طفل مصري ، أسمه مهج ، كان ضحية للشبق البهيمي للخليفة الواثق .

لماذا لم يكن حكم المأمون على الثوار المصريين بعد إستسلامهم ، مماثل لحكم الخلفاء الراشدين مع المصريين الذين ثاروا من قبل في زمنهم ، حين ردوا للأسرى حريتهم ؟؟؟؟؟

هذا هو الوجه الحقيقي للخليفة المأمون ، فهو ليس أكثر من طاغية ، لم يحتمل رفض بعض العلماء و الفقهاء للنظرية التي آمن بها ، و لم يعف عند المقدرة ، على ثوار ثاروا بسبب ظلم ولاته ، فقتلهم و إستعبد نساءهم و ذراريهم .

أليس الأولى بنا أن نطلق إسم الحارث بن مسكين على هذا الشارع ؟؟

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين الحسنية

بوخارست - رومانيا

حزب كل مصر

تراث – ضمير – حرية – رفاهية – تقدم – إستعيدوا مصر

31-05-2008

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق