الثلاثاء، 5 فبراير 2013

محمد شتا دمك في عنقهم و عنقنا و عنقك

محمد شتا دمك في عنقهم و عنقنا و عنقك

محمد على شتا, شاب مصري بسيط, من أسرة مصرية مكافحة, تميز بالنبوغ و الإجتهاد, عرف أن العلم مع العمل الشاق هما طوق النجاة من بحر الفقر الذي اغرقنا فيه مبارك, و أنهما حبل النجاة من الهرس تحت عجلات الطاحونة التي أديرت منذ ربع قرن لتطحن الشعب المصري, فتسلس قيادته.

إجتهد الشاب المصري, محمد شتا, و واظب على الدرس, فسهر الليالي, مصحوبا ولاشك بدعوات والديه بالتوفيق, و لا شك أيضا أنه أدخل البهجة على نفوسهم و هم يرونه يجتاز المراحل الدراسية بتفوق, و رأوا فيه أملا و حلما جميلا يتحقق.

لم يكن محمد شتا فقط ذكيا و مثابرا فقط, بل كان أيضا طموحا، و هنا الطامة, على الأقل في هذا العهد الأغبر, عهد مبارك الأول و الأخير بإذن الله . الطامة في أن يحلم الفرد العادي منا, بأن يقوده التفوق, نتاج الذكاء و المثابرة الشخصية المحضة, دون سند القرابة و المحسوبية و الرشى, إلى تبوء مقعد في الصفوف الأمامية من المجتمع المصري الحالي.

بعد تخرجه من الجامعة, قرأ محمد شتا في الصحف إعلانا لوزارة الخارجية يفيد بحاجة الوزارة إلى دفعة من الشباب, ليلتحقوا بالعمل في السلك الدبلوماسي.

داعب هذا الإعلان طموح محمد شتا, و أثار في نفسه الوثابة للرقي كل الأحلام و الأمال. رأي نفسه، في مخيلته، عضوا بأحد البعثات الدبلوماسية, فسفيرا و ربما طمح أيضا في منصب وزارة الخارجية, إليس من المنطقي أن تكون المناصب بالكفاءة و القدرة على الأداء الممتاز المتناسب مع مهام المنصب الموكول للشخص.

ذهب محمد شتا إلى مبنى وزارة الخارجية, ليتأكد بنفسه بعد أن قص من الجريدة نص الإعلان, من مواعيد الإمتحانات و المقابلات الشخصية و ما إلى ذلك من الأوراق المطلوبة.

إستعد خلال الفترة الزمنية الفاصلة بين الإعلان و الإختبارات, فإنكب مراجعا معلوماته جيدا, درس و حصل, سهر و كد, فمثل تلك الفرص لا تأتي كل يوم, و السلك الدبلوماسي ليس كأي مهنة, إنه الجاه و المستقبل, و به يمكن الإطلاع على أفاق أكبر و عوالم أرحب, و ثقافات متعددة.

ذهب محمد شتا للإختبارات, و التي تبدأ بالإختبارات التحريرية في العلوم السياسية و الإقتصادية و اللغات والقانون الدولي و ما إلى ذلك. حمد محمد شتا الله كثيرا لأن إجابات الأسئلة في كل تلك الإختبارات كانت في متناول يده, و لم تخرج الأسئلة عما درس, بل و جدها دون ما توقع , و أقل في المستوى مما كان يظن أن يكون إختبار لإختيار رجال الدبلوماسية المصرية.

ثم جاء يوم الإختبار الفاصل, إنه يوم المقابلة الشخصية, إستعد محمد على شتا للإختبار, إشترى بدلة جديدة, ليكون في أبهى حلة و أفضل هيئة, ألم يكن يسمى الإختبار فيما مضى بكشف الهيئة. ذهب للمقابلة الشخصية أو كشف الهيئة, مصحوبا بدعوات والداه.

ظن محمد على شتا, أن اختبار المقابلة الشخصية, لا يعدو أن يكون إختبار أخر للمعلومات, لكن في صورة مناقشة شفهية لبيان القدرة على المحاورة، و لأستبيان مدى الحضور الشخصي.

لكن هناك إكتشف أن الأسئلة تدور حول موضوع ما ظن يوما أن يكون محور الأسئلة, فقد دارت الأسئلة حول أسرته, من أين أصوله, هل بحراوية أم صعيدية؟!, و من أي محافظة تحديدا أصوله؟ و من كم جيل نزحت عائلته للقاهرة؟ ثم جاءت الأسئلة المباشرة, أين تسكن؟ ما هو المؤهل الدراسي لوالدك و ما هو عمله؟ ما عمل أعمامك و مؤهلاتهم؟ كم هو عدد إخوتك و إخواتك و مؤهلاتهم؟ ما هو المؤهل الدراسي لوالدتك؟ هل تعمل والدتك؟ ما عملها؟

ذهل محمد شتا, و لكن أجاب بكل وضوح و أمانه و فخر, لقد ظن أن الكفاح ميزة, و أن المثابرة و الطموح مما يرفع الإنسان و يشرفه.

إنتهت المقابلة بعد أن أجاب على تلك الأسئلة, رغم أنه توقع أن تكون تلك الأسئلة مجرد تمهيد, أو وسيلة يجعل بها الممتحن المتقدم يسترخي و يطمئن قبل أن يبدأ الإمتحان الحقيقي.لكن لم يحدث هذا, لقد شكروه ببرود و أفهموه بتعالي غير وقح أن المقابلة إنتهت و ما عليه إلا أن ينتظر النتيجة.

إنتظر محمد شتا النتيجة, مرت الأيام عليه ثقالا, بطيئة, فنفسه الوثابة تتحرق شوقا ليوم النجاح, يوم الولوج لعالم الدبلوماسية الرحب, يوم يصبح عضو بالهيئة الدبلوماسية. يوم يمكن أن يدخل الفرح و البهجة لقلب والديه, يوم يروا النبتة الصغيرة التي رعوها سويا, و رووها بتضحياتهم تثمر, و ليس كأي ثمر.

ليلة النتيجة خاصم النوم جفونه, فقد داعبت احلام اليقظة مخيلته فحرمته النوم, إستيقظ باكرا, لم يستطع التمهل فلم يتناول إفطاره, و دع والديه قبل أن يذهب, صحبته دعوات والديه بالتوفيق.





ذهب, و ليته لم يذهب, ليرى النتيجة, فجع حين رأى تفوقه في كافة الإختبارات التحريرية في كل المواد, و لكن لم يقبل, لماذا لأنه رسب في كشف الهيئة و النسب, نعم إختبار كشف الهيئة و النسب و الواسطة, يجب, بفتح الياء وضم الجيم, أي يلغي, كل تفوق في كل الإختبارات.

تهاوت الدنيا أمام عينه, إختلطت صرخاته المتألمة المكتومة داخله بصرخات الفرح للمحظوظين. أبناء الجيل الثالث و ربما الرابع من أعضاء الهيئة الدبلوماسية, و أبناء الوزراء و سليلي أثرياء الفساد المباركي, ابناء الواسطة و المحسوبية و الفساد و الديكتاتورية.

خرج يجر أقدامه, عبر الشارع حتى دون أن ينظر يمنة أو يسرة, لم يلتفت لأصوات أبواق السيارات المحذرة و لا إلى أصوات سائقيها الزاعقين, الذين كادوا أن يدهسوه، فداخله صرخات الظلم تدوي و التي صمت أذانه عما سواها. مشى على النيل, وقف و أخذ يحدق في النيل و في مياهه, لقد إسودت الدنيا في عينه, أهكذا يكون الفساد؟؟؟؟!!!! نعم لقد رأى الفساد في الجامعة من قبل, و رأي كيف يورث الأساتذة مناصبهم لأبنائهم و بناتهم, و لو كانوا غير أهل للمنصب الذي إنتزعوه عنوة من أصحابه. و لكن لم يتصور أن يكون الفساد و المحسوبية قد تسربا لهيئة من أهم هيئات الدولة, وزارة الخارجية!!! إذا لقد ضرب سرطان الفساد ضربته في هذه الدولة و لا امل فيها أو في الحياة بكرامة بها.

قفز في النيل لتبتلعه مياهه الداكنة، و تنتهي بتلك القفزة اليائسة قصة كفاح أسرة مصرية بسيطة، فقدت ولدها و أملها على مذبح فساد مبارك.

لقد كان شتا يتمتع بالبراءة, براءة الشباب الغض, الذي يظن أن الأبواب تفتح لمن يقرعها, فما على الإنسان سوى أن يكون أمينا مخلصا لهدفه, مستقيما في سيرته, ليصل إلى ما يصبو, لم يكن يتصور إن الإنسان يعير بأصله, أو يحرم من حقه لو كان إبن لرجل مكافح و أم بسيطة.

محمد على شتا دمك في عنق النظام, و أولهم مبارك, لأنه يعلم تمام العلم بالفساد الذي إستشرى, بل إنه راعيه, فهو لا يعين في أي منصب من مناصب الدولة الكبرى إلا الفاسدين من أمثاله.

دمك في عنقه إلى يوم الدين, و سيحاسب و من معه على ما أرتكب في حقك و حق الملايين المصرية الأخرى التي صادر حقها في حياة كريمة, و أملها في مستقبل أفضل لنفسها و لأبنائها.

إن مشكلة مبارك مع شعب مصري البسيط, هي مشكلة الإنسان عندما يكره أصله, فينتقم من كل من يذكره به.

شتان بين محمد علي الكبير و بين مبارك . محمد علي لم يتنكر لأصله و به إفتخر, و أما مبارك فواراه ثم شرع في الإنتقام من كل من يذكره بأصوله, متجاهلا أنه كان يمكن أن يكون أصله المتواضع فخرا له, و يجعل من قصة حياته مثالا ليظهر كيف يغير التعليم حياة الناس في ظرف جيل واحد, لكنه أخفى أصله, وكأنه سوءة, و بحث عن شهادة من نقابة الأشراف المزعومين بأنه شريف, ثم شرع بعد ذلك في التعالي على الشعب المصري الذي منه جاء, و حاول الإنضمام لنادي المتعالين، فأصبح الصحفي الكويتي الجار الله نديمه و صديقة , و إليه يفضي بمكنون صدره و على صفحات جريدته يهددنا و يتوعدنا.

دم محمد على شتا و كل الملايين التي أزهقت , بضم الألف, آمالها, و سرق قوتها, و أنهكت صحتها بالفساد. في عنقك يا مبارك.

محمد على شتا, أيضا دمك و دم كل مظلوم في مصر في عنق الشعب جميعا, لأن الغالبية من البطش المباركي خافت, فسكتت عن الحق, و خافت من الخروج على الظلم و الظلمة, فتمادت النخبة الحاكمة في غيها.

محمد شتا, دمك في عنقك أيضا, فقد فررت عند المواجهة, و بدلا أن تحيل غضبك لفعل إحتجاجي سلمي يتأجج حماسة, فإنك آثرت الفرار, فخانتك إرادتك الحديدية التي بها إجتزت كافة مراحل التعليم بتفوق و بها إجتزت إختبارات وزارة الخارجية. مثلك يا محمد شتا, في ذكاءك و إرادتك و مثابرتك, كان يمكن أن يكون شوكة جديدة في خاصرة النظام, كان يمكن أن توظف كل مواهب التي حباك الله بها, و صقلتها أنت على مدار السنين, لتقود الثائرين ضد الظلم و تؤجج مشاعر الحرية و العدالة في النفوس, فتقوض بناء الفساد على رؤوس أصحابه الذين ظلموك و دمروا حلمك و حلم والديك. لكنك و بكل أسف, فررت و تركت ظالميك بما سلبوك يستمتعون و يمرحون, و لكن عسى أن تكون ذكراك و ذكرى كل مظلوم صامت و صرخات كل طفل مريض لا يجد أبواه العلاج, و كل شيخ كريم لا يجد ما يسد به رمقه في شيخوخته, دافعا لنا في طريق الحرية و العدالة التي ننشدهما.

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين الحسنية

المنفى القسري بوخارست - رومانيا

حزب كل مصر

تراث - ضمير - حرية - رفاهية - تقدم - إستعيدوا مصر

السادس و العشرون من أكتوبر2005

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق