فأغرقناه و من
معه جميعاً ، لا للعفو عن الرتب الصغرى
لم يعد يكفي أن تمشي بجانب
الحائط ، أو حتى بداخله ، لكي تصبح في مأمن من سطوة الأجهزة الأمنية و العاملين
فيها و المستقوين بها ، فلم يعد البعد عن الخوض في عالم السياسة ، وصولاً إلى أقصى
درجات الخوف بالإمتناع عن الكلام فيها ، يضمن لك أن تُحترم آدميتك ، و تأمن على
ممتلكاتك ، و يصان عرضك ، و لا يُهتك شرف زوجتك أو أمك ، و لا تنتزع
روح ولدك ، و لا تقيد حريتك.
لم يعد يكفي أن تختار أن
تسلك سلوك الخوف و الحذر ، لكي تضمن سلامة حياة أفراد أسرتك و سلامتك ، و تأمن على
عرضك و مالك ، فيكفي أن تكون مالك لقطعة أرض ، تملكتها بالجهد و الشقاء ، أو ورثتها
عن أسلافك ، و لكنها أصبحت ذات قيمة ، و غدت محل مطمع أحد أصحاب النفوذ في هذا
العصر اللصوصي الأغبر ، أو تكون رجل أعمال ناجح و ترفض أن يشاركك في ربح جهدك عنوة
أحد أفراد الأسرة الحاكمة أو من يستظلون بظلها ، لتتعرض إلى ما لا يسر ، مثلما يكفي
أن تكون سائق سيارة أجرة ليتنمر عليك ضابط صغير ، أو يبتزك أمين شرطة ، أو تكون
مجرد مواطن بسيط من أمثال أغلبنا ، أو صبي يتيم و أمك بلا حول أو قوة ، و يشك فيك
ضابط مباحث ، و يريدك أن تعترف بتهمة لم ترتكبها ، ليستخدم معك التعذيب وسيلة
لتحقيق مأربه ، و هو آمن من أن يد العدالة لن تطاله حتى لو زهقت نفسك تحت
التعذيب.
أعتقد أنه لا حاجة للإفاضة
في ذكر تجاوزات أفراد الأجهزة الأمنية ، فالجميع يسمع بها ، و ربما شاهد بعضها ، أو
حتى تعرض لها ، فهدفي ليس هو ذكر تلك التجاوزات - على أهميتها - فهناك ليس فقط
كلمات سطرت من قبل عنها ، بل مشاهد مصورة بالفيديو لبعضها ، و بلاغات رسمية من بعض
الضحايا ، و غير ذلك ، إنما هدفي هو بيان سبب إستفحال تلك
الظاهرة.
أعتقد أن أحد أسباب هذا
الطوفان من التجاوزات الأمنية ، و على كل مستوى ، هي تلك الظاهرة التي أبتدعت في
بعض البلدان التي تحولت للديمقراطية ، عبر صفقات عقدت بين بعض السياسيين المعارضين
، و الأنظمة المستبدة ، و التي عرفت أن وقتها قد غرب ، و آن أوان الرحيل ، فإختار
الطرفان عقد صفقة ، يتم بموجبها ، تسليم السلطة طواعية ، و لكن مع العفو عن رموز
النظام السابق ، و الإكتفاء بمحاكمات هزيلة هزلية لبعض المذنبين المتوسطين ، مع
العفو على الرتب الصغيرة ، بدعوى إنها تنفذ الأوامر لا غير ، و أعتقد أن الأرجنتين
و تشيلي هما مثالان جيدان لتلك الظاهرة ، فحتى الأن لم تصل العدالة بهما إلى أخر
أشواطها ، لتنصف تماما كل ضحايا الطغيان أو ذويهم.
في مصر ، لا أشك أن هناك وعي
داخل سلك الأجهزة الأمنية على إختلاف مسمياتها ، بهذه الحقيقة ، و أنه بناء عليها
قد تم تلقين أعضاء السلك الأمني ، و بخاصة الضباط من شاغلي المراكز الدنيا و
المتوسطة ، بالإضافة لصف الضباط و أمناء الشرطة ، مبدأ تجاوز كيف شئت ، و أفعل ما
بدا لك بأفراد الشعب ، و إنطلق في غيك بلا ضابط أو رابط ، و نفذ كل الأوامر التي
تُلقى إليك و لو خالفت كافة الأعراف و القوانين ، فأنت في مأمن مهما إرتكبت من
فظائع ، و مهما زهقت تحت وطأة تعذيبك نفوس ، مادم ذلك تم برضى من هم أكبر منك ،
فحتى لو تغير النظام الحالي أو سقط ، فأنت لست إلا رتبة صغيرة ، أو متوسطة ، و سوف
يحميك ذلك ، و سيقال أنك لست إلا منفذ أوامر عليا.
لهم جميعاً نقول : أنتم
واهمون ، فأنتم لدينا كجند فرعون موسى ، الذين مثلما خدموه ، و نهلوا من خيره ، أو
أكلوا من فتاته و بقايا مائدته الحرام ، في حياته و حياتهم - مهما كان
حجم هذا الفتات - فإنهم كذلك غرقوا معه جميعاً ، كما نقرأ في القرآن الكريم :
فأغرقناهم أجمعين ، الزخرف 55 ، فأغرقناه و من معه جميعاً ، الإسراء 103
.
كذلك إعلموا أنه لن يقبل
لدينا عذر الإستضعاف ، فالمستضعفين لهم نفس جزاء الكبراء ، مادموا إتبعوهم في
ضلالهم و غيهم ، غافر 47 و 48 .
و مثلما لن يُقبل لدينا عذر
الإستضعاف ، فإنه لن يُقبل لدينا كذلك عذر الفقر و الحاجة ، فمثلما تجوع الحرة و لا
تأكل بثدييها ، فأن الحر يجوع و لا يأكل بسرقة - أو المساعدة في سرقة
– ممتلكات الأخرين ، أو بحرقها أو تخريبها ، أو بهتك أعراض المواطنين و تعذيبهم ، و
تقييد حرياتهم ، وتلفيق التهم لهم و تلويث شرفهم ، أو بإزهاق نفوسهم ، و هناك
ملايين المصريين الذين فضلوا حياة الفقر و الحرمان ، و العيش في المقابر ، و البحث
عن طعامهم في القمامة ، و حرمان أطفالهم حق التعليم و اللعب و الإستمتاع بالطفولة ،
على أن يدخلوا جوفهم ، و جوف أفراد أسرهم ، طعام حرام ، أو أن يكسوهم بمال حرام ، و
إن غُلف بغلاف خدمة الشرعية الزائفة.
يوم حساب الشعب المصري
للمجرمين بالقانون المصري المدني العادل ، و بقضاء نزيه - و إن تأخر -
سوف يأتي ، و لن تُقبل في ذلك اليوم أعذار ، و جميع المجرمين سيان ، آل فرعون
الحاليين ، مثل أصغر فرد ينفذ أوامر سادته الإجرامية ، فكلهم سواسية في ضرورة تلقي
الجزاء ، كل حسب جرمه .
كلهم أجرموا عن
وعي ، و كلهم فعلوا ما فعلوا بإرادة حرة ، فلا أعذار ستُقبل ، و عليهم ألا يأملوا
في عفو يصدر .
أحمد محمد عبد
المنعم إبراهيم حسنين الحسنية
بوخارست –
رومانيا
حزب كل
مصر
تراث – ضمير –
حرية – رفاهية – تقدم – إستعيدوا مصر
09-05-2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق