هل يعد ج. د.
بوش الإيرانيين برئيس مثل أبو جيمي ؟
علامات تعجب و أسئلة ، أخذت
تطرق ذهني طوال مطالعتي لنص خطاب الرئيس الأمريكي بوش الثاني ، و الذي ألقاه في أحد
معاهد الدراسات الإستراتيجية بدولة الإمارات العربية يوم الثالث عشر من يناير 2008
.
أليس هذا الكلام هو نفس ما
كنا نسمعه طوال عام 2002 ، و بدايات عام 2003 ؟؟؟
ألهذا الحد وصل الكسل ، أو
الغباء ، بمعدي خطابات الرئيس الأمريكي ، أن يستخرجوا أحد خطابات عام 2002 ، ليعطوه
له ، بعد أن أزالوا الحرف السابع عشر من حروف الأبجدية الإنجليزية ، ليحلوا محله
الحرف الرابع عشر منها ، في حديثه عن مخاطر إيران على المنطقة و العالم
؟
فالإسلوب نفس الإسلوب ، لا
تجديد و لا إبداع .
الأحلام في دول الحرية هي
نفسها ، و الأمثلة هي نفسها ، اليابان و دول شرق آسيا ، و الوعود بالمساندة
الأمريكية لتلك الأحلام هي نفسها .
إنه دليل فقر بلاغي لدى طاقم
بوش المسئول عن إعداد خطاباته ، مثلما هو دليل قصور عقلي لدى راسمي سياساته الشرق
أوسطية ، أو إنه دليل على إستعلاء عنصري لذوي الأصول الأوروبية في الإدارة
الأمريكية على العقلية الشرق أوسطية ، العربية و الإيرانية ، و كأن
العرب و الإيرانيين ، غير قادرين على إكتشاف الزيف في تلك الخطابات
.
لقد نوه ج. د. بوش
بمواهب و ثقافة الشعب الإيراني ، في خطابه ، و لكنه سرعان ما أردف ذلك
المديح الصادق بما رسم بسمة السخرية على وجهي ، حين قال : إن لكم الحق في العيش تحت
حكم حكومة تستمع إلى أمانيكم و تحترم مواهبكم ، و تسمح لكم ببناء حياة أفضل لأسركم
. إنتهت الفقرة .
ما رسم بسمة السخرية على
وجهي عند مطالعتي لتلك الفقرة الأخيرة ليس فقط تكرار أقوال عام 2002
للعرب ، و لكن السؤال : ألهذا الحد يجهل بوش الإبن تاريخ إيران الحديث
، أم إنه يظن في الشعب الإيراني قصور الذاكرة ، أم إنه يستغبى الشعب الإيراني ، و
يظن إن الإيرانيين غير قادرين على مشاهدة الواقع من حولهم ، ليروا النماذج
الأمريكية في المنطقة ؟؟؟
لو إفترضنا أن بوش الإبن و
جوقته ، يلعبون على كون أن أغلبية الشعب الإيراني اليوم ، ولدت بعد سقوط نظام الشاه
الأمريكي ، و لو إفترضنا إنهم ، أي بوش الصغير و جوقته ، يظنون أن
الأجيال اليافعة من الشعب الإيراني لم تقرأ تاريخ قصة إسقاط مصدق ، و جبروت الشاه
محمد رضا بهلوي ، الذي أعادته المخابرات الأمريكية ، عنوة ، رغم أنف الشعب الإيراني
، و تركت له الحبل على غاربه ليفعل ما يراه بالشعب الإيراني ، و إن الأجيال
الإيرانية الشابة لم تسمع بقصص جهاز السافاك من ذويها ، فعلى الأقل عليه أن يحترم
عقلهم ، و هو الذي أشاد بمواهبهم و ثقافتهم ، و التي هي حقيقة ، لأنهم و بلا شك
سينظرون حولهم ، ليروا النماذج الأمريكية في العالم الإسلامي
.
فلا شك أن شباب إيران سينظر
إلى أفغانستان و العراق . بل لندعنا من هذين النموذجين ، حيث الحروب مشتعلة ، و
الإضرابات لم تهدأ ، و ربما تحجج أنصار أمريكا بذلك . لكن بلا ريب أن شباب إيران
المثقف و الموهوب ، سوف ينظر لحلفاء أمريكا في الشرق الأوسط
.
فهل يعدهم جورج دبليو بوش
بنظام مماثل للنظام السعودي ، الذي لازال يحكم دولة بعقلية القرون الوسطى ، حيث
الحكم المطلق ، و العائلة المسيطرة ، و المال مال الأسرة ، و المخصصات العائلية
الهائلة بينما هناك من يبحث عن وظيفة ؟
و حتى لو إفترضنا أن شباب
إيران بذكاءه ، و الذي عرف عن الإيرانيين ، سيشيح بوجهه عن النموذج السعودي ، على
إفتراض إن تركيبة المجتمع الإيراني ، التقدمي ، تختلف عن طبيعة المجتمع السعودي ،
الذي لم يدخل العصر الحديث إلا مع إكتشاف البترول ، و إفترضنا كذلك إن الشباب
الإيراني سوف يغض الطرف عن نظام العسكر في باكستان ، فإنه و بلا شك سينظر لأكبر
حليفة ، من حيث الحجم ، للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ، و أعني مصر ،
حيث التشابه في عراقة الحضارة ، و في تركيبة المجتمع ، إلى حد كبير
.
فهل يعدهم ج.
د. بوش ، بالحاكم النموذجي لدى الغرب ، في العالم العربي و
الإسلامي ، مبارك الأب ، أبو جيمي ؟؟؟
هل يعدهم بحاكم يظل ربع قرن
و يزيد ، جاثم على صدورهم ، لن يروا منه خيراً أبداً ، و لن يكف عن
إبداء إحتقاره لشعبه في أي حديث له مع كل وافد من بلاد الجزيرة العربية
؟
هل يعدهم بتحويل إيران إلى
عزبة ، كما أصبحت مصر ، تورث كما كانت تورث الأطيان و العزب ، بما عليها من فلاحين
و مواش ؟
هل يبشرهم بعودة جديدة لجهاز
السافاك ، بإسم جديد يدعى مباحث أمن الأسرة ؟
هل يعدهم بالتعذيب في أقسام
الشرطة ، بما في ذلك الأطفال و الصبية ؟
هل يعدهم بعصر
ذهبي ، تصبح فيه سياسة هتك أعراض الشباب ، و إغتصاب النساء ، و تدمير المنازل ، و
تلفيق الإشاعات الجنسية القذرة ، قاعدة ؟
هل يبشرهم بالمحاكم العسكرية
، و عسكرة البلد ، بوضع ضابط جيش ، أو شرطة ، في كل منصب
؟
أم بالمعتقلات السرية ، و
ترحيل كل من ترغب في القبض عليه الولايات المتحدة دون سند شرعي
؟
هل يعدهم بالفساد المطلق
العنان ، و الذي يتضاءل بجانبه الفساد في إيران ، و الذي نخر ، و ينخر ، الجسد
المصري ؟
هل يعدهم بنقص التغذية ، و
خروج الأمية عن حد السيطرة ، و نقص الخدمات الصحية ، مع عودة مرض شلل
الأطفال للظهور ، و إستفحال أنفلونزا الطيور ، و ظاهرة المبيدات المسرطنة ، و
الأغذية المبرمجة وراثياً ، و فتح باب بلادهم على مصرعيه لتجارب شركات الأدوية
العالمية لتجري ما تشاء من التجارب على أطفال إيران ؟؟؟
هل يبشرهم
بالتواجد العسكري الأمريكي ، كما في قاعدة رأس بناس المصرية ، على
البحر الأحمر ، و في شمال سيناء ، و على طول الساحل الشرقي لجزيرة العرب
؟
ليس هناك ما يغري الشعب
الإيراني ، و حتى شبابها الذي لم يعاصر عهد الشاه الأمريكي الدموي ، لأن يهرول
لأحضان أمريكا ، لأن الوعود زائفة ، تكشفها النماذج الأمريكية العطنة المعاصرة ، و
التي يعايشونها .
حتى الجزرة ، التي يلوح بها
ج. د. بوش ، و أعني إتفاقات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة ، ليست إلا جزرة
متعفنة ، لأن أغلب المساعدات الإقتصادية الأمريكية للقطاع الخاص في دولة مثل مصر ،
و التي تعد نموذج للسياسة الإقتصادية الأمريكية في الشرق الأوسط ، لم تسقط إلا في
جيوب الإقطاعيين الجدد ، من أنصار النظام الحاكم و عملاءه ، و حتى إتفاقية
الكويز لم يستفد منها إلا أصحاب المصانع من طبقة الإقطاعيين الجدد ، و
ليس رجل الأعمال المستقيمين .
الشعب الإيراني لا يرى حوله
إلا عنف طائفي في العراق سببه الولايات المتحدة ، مع محاولة تقسيم للبلد الذي سقط
في قبضة الولايات المتحدة ، و سيطرة لفاسدين على الحكم به ، و عودة لوردات الحرب ،
و بارونات المخدرات ، ليحكموا أفغانستان ، و يقسموه إلى إقطاعيات و إمارات شبه
مستقلة .
و لا يرى إلا أسرة حاكمة
مطلقة اليد ، في الجزيرة العربية ، أسمت البلد بإسمها ، و سيطرت على الموارد
النفطية ، و تقف حائلاً أمام تطور مجتمع الجزيرة العربية ليكون مماثل لتركيبة أي
مجتمع حديث .
مثلما لا يرى في مصر ، إلا
طاغية حكم ربع قرن ، بينما عندهم في إيران ستة رؤساء للجمهورية تتابعوا على الحكم
منذ سقوط الشاه في عام 1979 ، و لم يكتف الطاغية المصري بما حكم و نهب ، بل يطمع في
التوريث ، رغم إنه أغرق شعبه في الفقر ، و لم يحكم إلا بالتعذيب ، و الأجهزة
الأمنية الظاهرة و الباطنة .
إنني لا أدعي أن الشعب
الإيراني يملك الحكومة الفاضلة ، و لكنه ، و بكل وجه للمقارنة ، يملك نظام حكم أفضل
بكثير من أنظمة الحكم التي تحظى بدعم الإمبراطورية المتحدة الأمريكية ، في باكستان
، و أفغانستان ، و العراق ، و الإقطاعية السعودية ، و مصر .
كما أن أي تطور للأفضل في
المنطقة ، سيكون عبر الرغبة الداخلية للشعوب ، و ليس إستجابة لدعوة مغرضة زائفة ،
تتكرر مع كل صيحة حرب على شعوب المنطقة .
أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين
الحسنية
بوخارست –
رومانيا
حزب كل
مصر
تراث – ضمير –
حرية – رفاهية - تقدم – إستعيدوا مصر
14-01-2008
المقال سبق
نشره في جريدة الحوار المتمدن ، و أعيد نشره
رد على تعليقات جورج بوش الثاني عن الديمقراطية في الشرق
الأوسط