المعارضة
المصرية بين الدرس النيبالي و خيانة الرابع من مايو
في ابريل من عام 2006 ، كتبت
مقال بعنوان : هل ستتوحد المعارضة المصرية ، و تستوعب الدرس النيبالي ؟
و بإمكاني اليوم ، التاسع و العشرين من مايو 2008 ، أي بعد عامين تقريبا من
طرح السؤال ، أن أجيب بالنفي ، و إنها ، أي المعارضة المصرية ، أقرب ما تكون
لموقعها منذ عامين ، لا من حيث تطور الأحداث ، و لكن من حيث التشرذم ، و ضبابية
الهدف ، و ضعف التصميم .
في عجالة من الممكن أن
نستعرض تطور الوضع النيبالي ، فلما يزيد على القرنين ، و إلى يوم أمس ، الثامن و
العشرين من مايو الجاري ، حكمت نيبال أسرة ملكية ، ذات سلطات مطلقة ، و بديمقراطية
غائبة ، مع فساد و فقر مستشريان ، و بالتركيز على الفترة الأخيرة ، فنقول إنه على
الجانب الموازي للإستبداد ، وجدت معارضة متنوعة الإتجاهات ، من ليبرالية إلى أن تصل
إلى الشيوعية الماوية ، و تنوعت الأساليب مع هذا التنوع الفكري ، فهناك من إتبع
إسلوب المعارضة المسالمة ، و هناك من إعتقد بعدم جدوى ذلك ، فلجأ للمناطق النائية
ليشهر السلاح في وجه السلطة من هناك .
الدرس النيبالي الذي عنيته
منذ عامين تقريباً ، هو إن تلك المعارضة المتنوعة في عقائدها السياسية قررت أن
تتوحد ، و أن تصبح الروافد المتعددة المتفرقة ، نهر واحد ، بتحديد هدف واضح ، هو
إستعادة الديمقراطية ، و صاحب ذلك قرار صائب من الشيوعيين الماويين بوضع السلاح
جانباً ، و تكوين حزب ، و الإنضواء تحت مظلة فكرة المعارضة المسالمة ، بما أبطل حجة
السلطات الملكية التي إدعت إنها تكافح ضد إرهابيين . على إن المسالمة لم تكن لتعني
أبدا الإستسلام ، فشهدت نيبال الكثير من المظاهرات و الإضرابات و
العديد من مظاهر الإحتجاج المتصاعدة ، التي وصلت أصداءها للعالم ، و كان محصلة هذا
الجهد و التصميم تنازلات مستمرة من جانب الملك لصالح الشعب ، فشهدت نيبال إنتخابات
حرة ، و أخيرا توجت تلك الجهود ، و القرارات الجريئة ، بتصويت البرلمان النيبالي
المنتخب بخلع الملك ، و إنتهاء عهد الملكية النيبالية ، لتنضم نيبال لمعظم دول
العالم ، الجمهورية في نظام حكمها . فمن كان يصدق ذلك منذ أكثر من عامين ، أن يطيح
الشعب ، بطرق سلمية ، بملكية راسخة الأقدام ؟
إنني مثلما أعجبت بنضال
النيباليين ، و تابعت نضالهم ، فإنني الأن أرسل لهم تحياتي ، و بخاصة للمناضلين
منهم على إختلاف فرقهم ، و أتمنى لشعب نيبال أن تستمر خطواته للأمام في طريق ترسيخ
الحريات و العدالة .
على الجانب الأخر ، أو
النقيض من التجربة النيبالية النبيلة ، تقف المعارضة المصرية و التي –
كما ذكرت عالية – لم تستوعب الدرس النيبالي ، فهي للأن على تشرذمها ،
و إختلافها ، و الأدهي على عدم وضوح الهدف لدى البعض ، و حتى لمن لديه هدف ، فهناك
إختلاف بين بينها حول هذه الأهداف ، و أن هنا لا أعني المعارضة التي خطط لها
، و صنعت ، في غرف السلطة ، و تدار ، بالإتصالات الهاتفية ، إنما المعارضة
الحقيقية ، فالتشرذم و الفرقة هما الغالبان ، و الأهداف متأرجحة ، و الإرادات
متذبذبة ، بل و الخيانات أصبحت ساطعة ، و لعل ما حدث في إضراب الرابع من مايو 2008
، دليل على تلك الخيانات ، فأنا لا أصدق أن أحد التيارات المعارضة الكبيرة ، و بعد
أن أعلن مشاركته ، و بعد تذبذب كان جلي للعيان ، فشل في حشد أعضاءه لدعم الإضراب ،
بينما يسهل عليه حشد مائة ألف أو نصف مليون في مظاهرة واحدة ، و إستطاع من قبل أن
يحصل على عشرين في المائة تقريبا من مقاعد مجلس الشعب ، و كان بمقدوره أن يزيد على
ذلك ، لولا ما نعلمه جميعا . ما أراه هو أن هذا التيار أراد أن يوصل
رسالة للسلطة في الداخل ، و أيضا لمن يعنيهم الأمر بالخارج ، رسالة من السهل فهم
محتواها ، و الغرض منها .
إنني لا ألغي العوامل الأخرى
التي أدت لضعف الإضراب - و لا أقول فشله – و لكن أيضا فإن تلك العوامل الأخرى ، مثل
العلاوة و الإمتحانات الجامعية ، لن تستطيع أن تحجب عن عقلي حقيقة أن هناك خيانة قد
تمت ، و طعنة في الظهر تلقيناها جميعاً ، نحن قوى المعارضة الجادة ، المختلفة في
مدارسها الفكرية ، و المتحدة في هدفها الوطني .
فإذا كانت المعارضة المصرية
الجادة لم تستوعب الدرس النيبالي تماما - درس الوحدة و الهدف الواضح و التصميم و
المثابرة و التصعيد السلمي المستمر - خلال العامين الماضيين ، فعلى الأقل علينا أن
نستوعب درس مايو - درس الخيانة - و علينا أن تكون لنا وقفة مع هذا التيار و مع
أنفسنا ، و الوقفة الأخيرة هذه هي الأهم ، لنرسم فيها أهدافنا و نجمعها ، و ندرس
فيها أوضاعنا على أرض الواقع ، و نحدد فيها خطواتنا التالية ، بعيدا عن الخونة
.
أحمد محمد عبد
المنعم إبراهيم حسنين الحسنية
بوخارست –
رومانيا
حزب كل
مصر
تراث – ضمير –
حرية – رفاهية – تقدم – إستعيدوا مصر
29-05-2008