إستفتاء شعبي
لكل قانون ، هو الطريق للحرية و العدالة
لا أملك سوى أن أنضم لقافلة
المهنئين لشعب أيرلندا الحرة ، على إستفتاء الثالث عشر من يونيو 2008 ، فقد أثبت
إنه لازال حر الإرادة ، تقديري لأيرلندا الحرة بحق ، ليس لقولها لا لإتفاقية لشبونة
- فأمر تلك الإتفاقية لا يعنيني اليوم - الذي يعنيني أمران - جوهرهما واحد - الأول
إن إيرلندا كدولة لم تسمح أن تصادر فيها النخبة الحاكمة القرار من الشعب ، أو أن
تصبح تلك النخبة وصية على إرادته ، كما فعلت نخب حاكمة في بلدان أخرى في الإتحاد
الأوروبي تدعي الديمقراطية ، و التي خافت أن تقول شعوبها لا لدستور أخر ،
كما حدث مع دستور 2005 ، الذي رفضه الهولنديون و الفرنسيون ، فلجأت لبدعة
دستور في شكل إتفاقية ، لينجو من اللجوء لإستفتاء الشعب ، و يصبح القرار في يد
البرلمانات .
ثاني اسباب تقديري هي لا
الأيرلندية في ذاتها التي – بعيدا عن محتوى الإتفاقية – قد أوقعت النخب الحاكمة في
دول الإتحاد الأوروبي في ورطة ، فلو كان الأيرلنديون صوتوا بنعم ، لمر الفعل المشين
الذي قامت به تلك النخب في سلام ، حيث كانت البرلمانات الأوروبية بالفعل تتسابق في
التصويت بنعم على الإتفاقية ، متجاهلة الرأي الحقيقي لشعوب الإتحاد الأوروبي
.
الإتفاقية في تفاصيلها - كما
قلت - لا تعنيني الأن ، إنما الذي يعنيني هو الديمقراطية الحقيقية ، التي يجب
بالفعل أن تنطبق في تطبيقها مع المسمى ، أي حكم الشعب ، فالديمقراطية الحقيقية ، أو
الشورى بالمصطلح الديني الإسلامي ، لا تعرف في حقيقة الأمر ما يعرف بالنخبة الحاكمة
، أو أهل الحل و العقد .
الأصل في الحكم هو للشعب ،
للفرد العادي ، هكذا كان الحال في البدء ، و يجب أن يكون في العصر الحاضر و
المستقبل .
إذا قفزنا فوق المرحلة
الفطرية - حين كان الناس يعيشون في شكل قبلي أو قروي صغير و يتخذون القرارات
بشفافية - و بدأنا مع أول مجتمع مدني ديمقراطي حقيقي ، و أعني بلاد اليونان القديمة
، و بخاصة في أثينا الديمقراطية ، سنجد أن كافة المواطنين كان لهم الحق في المشاركة
في إتخاذ القرار ، بشكل أو أخر ، بدون حواجز التعليم و الثروة و الطبقة الإجتماعية
.
أما في العصور المسيحية
الأولى فمن السهل أن نلحظ في سفر أعمال الرسل ملامح المشاركة الشعبية في القرار ، و
قد ظل ذلك ملحوظ فيما مضى أثناء إختيار الأساقفة أو عزلهم ، حيث تطالعنا المصادر
التاريخية في مواضع عدة عن إختيار شعب أحد المدن لأسقفهم ، أو تمسك أهل مدينة أخرى
بأسقفهم ، و الذي رأت السلطات الحاكمة أن تجعل منه أسقف للعاصمة ، كما حدث مع
الأسقف يوحنا الذهبي الفم ، أسقف أنطاكية ثم القسطنطينية
.
في الإسلام ، لا توجد في
حقيقة الأمر نخبة حاكمة ، أو ما يعرف بأهل الحل و العقد ، فنصوص القرآن الكريم التي
تتعلق بالشورى و الحكم واضحة في أن القرار إنما هو قرار الشعب ، لا قرار نخبة
محدودة .
في سورة الشورى الآية 38 ، و
ما سبقها ، المبدأ واضح ، هو أن الشورى هي من صفات المؤمنين ، كبقية الصفات الحميدة
الأخرى كالإيمان بالله و إجتناب الإثم و الفواحش و إقامة الصلاة و الإنفاق في سبيل
الله ، و بالتالي فان الأمور الدنيوية كافة هي بالشورى
.
بل يصل الإلزام بالأخذ
بالشورى لخاتم المرسلين ، محمد ، صلى الله عليه و سلم ، في أمره تعالى لخاتم
المرسلين : و شاورهم في الأمر ، آل عمران 159 ، و كلمة شاورهم ، في الآية المذكورة
آنفا - واضحة في تعميمها ، فليس هناك ما يدل على وجود نخبة خاصة
متفردة بالرأي .
و يتأكد مبدأ الشورى ،
بشكلها الشعبي ، بعيدا عن النخب ، في النور 62 ، حيث الطاعة في القرارات الدنيوية
واجبة ، على إن تلك القرارات إنما صدرت بعد الموافقة العامة ، و الأمثلة لتطبيق هذا
المبدأ متوافرة في السيرة النبوية ، مثل قرار الخروج لمعركة أحد ، و الذي كان
الرسول ، صلى الله عليه و سلم ، من ضمن الأقلية في التصويت ، و لكنه ،
عليه الصلاة و السلام ، إحترم رأي الأغلبية .
الأصل إذا في إتخاذ القرارات
هو للشعب ، للمواطن العادي من أمثالنا ، و ليس لنخبة محدودة ، حتى لو كانت منتخبة ،
فعضو البرلمان ، هو بشر أولاً و أخيراً ، و مصالحه و مصالح حزبه هي أهم ما يحكم
تصرفات غالبية البرلمانيين بعد وصولهم للبرلمان ، فخوف عضو البرلمان من غضب حزبه
عليه ، و بالتالي منعه من الترشيح بإسم الحزب في أول إنتخابات قادمة ، أو الخوف من
الإضطرار لخوض إنتخابات مبكرة لو فشل حزبه الحاكم في تأمين غالبية برلمانية لأحد
القرارات أو القوانين الهامة ، كثيرا ما يكونان هما الدافعان الأساسيان لأغلب - إن
لم يكن كل - تصويتات عضو البرلمان ، و إتفاقية لشبونة في الإتحاد الأوروبي
هي خير مثال على أن البرلمانات ، و لو كانت منتخبة بحرية و شفافية ، فإنه
كثيرا ما تكون قرارتها معبرة عن مصالح أعضائها و أحزابهم ، لا مصالح و رأي الغالبية
الشعبية .
إنها ليست دعوة لتبني سياسة
الإجتماعات العامة في دور العبادة كما في صدر الإسلام و المسيحية ، أو في الساحات
العامة مثلما كان يحدث في أثينا على زمن الإغريق ، أو كما يحدث في مقاطعتين
سويسريتين لليوم ، و إنما هي دعوة لزيادة دور الشعب في إتخاذ القرار ، و جعله هو
المرجع الأول و الأخير ، بإستخدام نظام الإستفتاء الشعبي العام على كافة القوانين و
المعاهدات ، و ذلك بجعل أي تصديق على أي قانون أو قرار أو معاهدة يتم في مرحلتين -
بعد إلغاء مجلس الشورى الذي لا فائدة ترجى منه – المرحلة الأولى هي موافقة مجلس
الشعب على القانون أو المعاهدة ، ثم المرحلة الثانية بإستفتاء الشعب ، و يكون قرار
الشعب هو القرار النهائي ، أي لا حاجة لتصديق رئيس الجمهورية على القانون أو
المعاهدة ، التي حظيت بالفعل بموافقة مجلس الشعب ، ثم الشعب ذاته في إستفتاء عام
.
و من الممكن تطبيق ذلك بجعل
الإستفتاء الشعبي مسألة إعتيادية نصف سنوية ، يتم خلال كل إستفتاء التصويت على كافة
القوانين و المعاهدات و القرارات ، التي إتخذها مجلس الشعب خلال الستة أشهر السابقة
على الإستفتاء ، و ذلك بعد نشر نصوص تلك القوانين و المعاهدات في الجريدة الرسمية ،
و موقع رسمي للجريدة ذاتها على الإنترنت ، قبل الإستفتاء بشهر ميلادي
.
و يمكن إقامة إستفتاء في غير
الموعد الرسمي الدوري في الحالات العاجلة ، أما في غير ذلك فلا حاجة للعجلة ، فلعل
ذلك يوقف سيل القوانين و القرارات و المعاهدات التي يتم التصديق عليها ، و لا يعلم
الشعب المصري بشأنها أي شيء .
إن تطبيق هذا النظام ، حتى
في ظل النظام الفاسد الحالي ، أفضل من بقاء الأوضاع بشكلها الحالي ، فنظام كهذا
المقترح سوف يجعل من الصعوبة بمكان تصدير الغاز المصري بأقل من أسعار التكلفة أو
الأسعار العالمية ، و سوف يجعل من العسير على النظام الحاكم سن أي رسوم ضرائبية
مجحفة ، و سوف يلغي إمكانية وجود بنود سرية في المعاهدات الخارجية ، و سيجعل تمرير
التجديد لقانون الطوارئ مسألة ليست بالهينة
.
كما سيسهم نظام الإستفتاء
الشعبي الدوري في إيقاظ الشعب ، و زيادة وعيه ، فعندما يعلم كل مواطن إنه سوف يكون
شريكا في عملية سن القوانين المتعلقة بحياته اليومية ، مثل سن قانون يتعلق بالضرائب
أو الدعم أو الصحة أو أسعار الخدمات العامة ، فسوف يتمسك بإيصال صوته ، و يستميت من
أجل إحترام رأيه ، و هذه بداية الطريق للحرية و العدالة
.
إنها الديمقراطية الحقيقة ،
فيها يكون القرار النهائي للشعب ، و على مجلس الشعب أن يعمل فقط كمقدم لمشاريع
القوانين و المعاهدات ، أما الحكومة و الرئاسة فليس لهما إلا تصريف الشؤون اليومية
للدولة في إطار الدستور و القانون الشعبي ، لا دستور و قوانين و معاهدات النخبة .
أحمد محمد عبد
المنعم إبراهيم حسنين الحسنية
بوخارست -
رومانيا
حزب كل
مصر
تراث – ضمير –
حرية – رفاهية – تقدم – إستعيدوا مصر
15-06-2008